مبادرة أوروبية تسبق «الأميركية» ومحورها سلامة

نَعِمَ لبنان باستقرار نقدي على مدى ثلاثة عقود بفضل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يتربّع على حاكمية المركزي منذ آب من العام 1993. الانتقادات التي تعرض لها سلامة شملت الشق المُتعلّق بالسياسة النقدية، ولكن أيضًا أداء رياض سلامة وعلاقته بالطبقة السياسية المُتهمّة بالفساد من قبل المُجتمع الدولي.

على صعيد السياسة النقدية، الانتقادات تناولت تثبيت سعر صرف الليرة مُقابل الدولار الأميركي على مدى ثلاثة وعشرين عامًا (من العام 1997 وحتى 2019) والكلفة التي نتجت منه والتي قدّرتها حكومة حسان دياب بأكثر من 45 مليار دولار أميركي. إلا أن بعض المُحللّين الاقتصاديين عارضوا هذا الرقم وقالوا إن الكلفة على المواطن كان يمكن ان تكون أكبر بكثير لو تمّ تحرير سعر الصرف. إضافة إلى عنصر التثبيت، ينتقد المناهضون لسياسة سلامة الفوائد العالية التي دفعها القطاع المصرفي على الودائع والتي بحسب حاكم المركزي كانت أدنى من الفوائد في بلدان كانت تمتلك التصنيف الإئتماني نفسه مثل تركيا ومصر؛ ذلك أن مستوى الفوائد في البلدان مرتبط بصفة مباشرة بالمخاطر السيادية لهذه البلدان.

على صعيد علاقة سلامة بالطبقة السياسية، ينتقد معارضو سلامة علاقته بالطبقة السياسية والتي دفعته إلى القيام بهندسات مالية استفادت منها المصارف التي ترتبط بسياسيين من جهة، ومن جهة الثانية ما قام به من إقراض الدولة مبالغ كبيرة من المال في العملة الصعبة دون اتباع السياسات المتبعة في الإقراض من التحوط والاحتراز من مخاطر العملات. أما الهندسات المالية فقد كانت موضع إشادة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من ناحية أنها أنقذت لبنان من الانهيار في العام 2016. وأما إقراض الدولة، فقد كان لسلامة ردّ على هذا الموضوع عبر إعترافه في المقابلات التلفزيونية أن المركزي يحمل 5.7 مليار دولار أميركي سندات يوروبوندز وأقرض وزارة المال 15 مليار دولار أميركي (overdraft).

بغضّ النظرّ عن أحقية الاتهامات من عدمها، فمع الاختلاف في الدوافع، هناك تكتّل واضح من قبل التيار الوطني الحرّ، الكتائب اللبنانية والقوات اللبنانية معارض لسياسة رياض سلامة، فمنهم من يجاهر بضرورة إقالته من منصبه ومنهم من يدعم التدقيق الجنائي بقوة. وقد أظهرت التجربة الأخيرة التي قامت بها حكومة دياب قبل استقالتها بمحاولة إقالة سلامة، أن هناك جبهة أخرى داخلية وعاملا خارجيا يمنعان القيام بمثل هذه الخطوة.

ويلاحظ منذ ما يقارب العام أن حاكم مصرف لبنان يتردّد بشكل دوري إلى فرنسا حيث يقوم بقضاء فترة تتجاوز الأعمال الشخصية، مما يطرح عدة تساؤلات. يضاف إلى ذلك أن فرنسا من أكثر المُطالبين بالتدقيق الجنائي وقد وضعته كشرط أساسي لأي مُساعدة محتملة للبنان (المبادرة الفرنسية)، وبالتالي، قد يتبادر إلى ذهن البعض كيف لدولة، أي فرنسا، تعرف مُسبقا أن التدقيق الجنائي موجّه ضد حاكم مصرف لبنان، أن تعمد إلى المطالبة بالتدقيق الجنائي وتضعه كشرط أساسي، مما يطرح فرضية أن فرنسا تعلم أن التدقيق الجنائي لن يُدين سلامة، وبالتالي ستستخدم التدقيق في المركزي كمدخل للتدقيق في كافة مؤسسات الدولة. لكن هذا الأمر قد يحمل في طياته احتمالاً مقبولاً أن سلامة لن يُكمل الفترة المتبقية له في المصرف المركزي، ولكن تبديله لن يتم قبل تأليف حكومة أصيلة لكي يمكن تعيين خلف له، وذلك لاجتناب قيام النائب الأول له، وهو من الطائفة الشيعية، مقامه في هذه الفترة بتسلم الحاكمية، وبالتالي حدوث اشكالية لدى المسيحيين.

من هنا يُطرح السؤال عن هدف الخطوة السويسرية التي تشمل طلب مُساعدة قضائية في عملية تبييض أموال قد يكون لمصرف لبنان دخل بها، يضاف إلى ذلك ما يشاع عن تحاويل قام بها كل من حاكم مصرف لبنان وأخيه ومُعاونته بقيمة تصل إلى 400 مليون دولار أميركي؟

في الواقع هذه الأمور تطرح عِدّة تساؤلات:

أولا - طلب المُساعدة السويسري قد يؤدّي إلى فرضية أن سلامة (وبغض النظر عن التهمة) قد خالف القوانين السويسرية، فأي قوانين قد تمّت مخالفتها؟ علماً أن طبيعة المساعدة المطلوبة تدخل ضمن نطاق تبادل المعلومات الضريبية التي ترعاها اتفاقية كاتغا والتي وافق عليها لبنان وسنّها بقوانين (قانون 44-2015). وبالتالي فإن لبنان مُلزم تسليم المعلومات عن الحاكم. وعليه، لا يُمكن القطع بأن هذه التحاويل (المُفترضة التي قام بها سلامة) تُخالف القوانين السويسرية!

ثانيا - رياض سلامة المُقاتل الصامت والذي استطاع الصمود في وجه الضغوطات السياسية، هل سيُسلمّ بخسارته بهذا الشكل. وهل في جعبة سلامة من الأمور والمعلومات الكافية التي تدين قسما كبيرا من الطبقة السياسية اللبنانية؟

فرنسا تعمل الآن بشكل خفي أكثر مما فعلته في الفترة التي تلت جريمة المرفأ، ولا سيما أنها أصبحت الآن تملك إثباتات على تورط سياسيين لبنانيين وموظفين في القطاع العام في عمليات فساد، ولكنها تصطدم بموقف حزب الله العاصي على العقوبات على عكس الطبقة السياسية التي تخشى العقوبات، وبالتالي فإن إزاحتها عن المشهد السياسي ليس بصعب. من هنا يُمكن القول إن فرنسا التي تقود التحركات في الخفاء ستعاود السير في المسار الأميركي بعد أن تستلم الإدارة الأميركية الجديدة الملف اللبناني. هذا الأمر يقود إلى فرضية بقاء لبنان في حالة من الفوضى إلى حين توصّل الأميركيين والإيرانيين إلى اتفاق يكون فيه توافق في المنطقة وفي لبنان.

في ظل هذا السيناريو، يحتاج حزب الله إلى جمع أكبر عدد من اللبنانيين لمواجهة المرحلة المُقبلة، وبالتالي لا مصلحة لحزب الله بالتخلّي عن رئيس الحكومة المُكلّف سعد الحريري الذي يعلم هذا الأمر، وبالتالي يرفع السقف عاليا بوجه التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية. وهنا تبرز جملة من العقبات التي يواجهها الحزب من ناحية حاجته إلى التيار الوطني الحرّ الذي له علاقة سيئة مع كل القوى السياسية الأخرى، وهو ما يجعل التعايش بين التيار وباقي القوى في أي حكومة قادمة أمرا صعبا جدا!

هذا الأمر يُعقّد سيناريو تشكيل حكومة تكون حلا وسطا بين الرغبة بحكومة لون واحد لا تحظى بالدعم الدولي وبين حكومة تستوفي الشروط الأميركية وتستثني حزب الله بالكامل. من هذا المنطلق، يُمكن القول ان حزب الله لن يستطيع في المرحلة المُقبلة مُجاراة التيار الوطني الحرّ في مطالبه الحكومية، وهو ما قدّ يُشكّل بابا للخروج من الأزمة وتشكيل حكومة تستوفي الشروط الدولية، ولو جزئيا. وهذا الأمر يعلمه جيدا التيار الوطني الحرّ الذي أصبح يلعب استراتيجية الانسحاب بأقل الخسائر المُمكنة، إذ يُمكن أن تكون خطوة وزيرة العدل في ما يخصّ تحريك ملف حاكم مصرف رياض سلامة هي من باب الضغط على الرئيس المُكلّف للتخفيف من شروطه لمصلحة التيار. هذا الأمر يُمكن مُلاحظته من تصريح النائب جبران باسيل الذي صرح في آخر ظهور صحفي له أنه يتوقع في غضون شهر أن يعود الرئيس المُكلّف ليوقّع تسوية جديدة مع التيار الوطني الحرّ.

فأي سيناريو من هذه السيناريوهات سيصبح حقيقة في المدى القريب؟ إن غداً لناظره قريب.