بعد أن كانت الأنظار موجهةً إلى الإنتخابات الأميركية، وبعد فوز بايدن على ترامب، عاش العالم بأسره مرحلةً من الترقب عقب ما نتج من انفعالات وردات فعل قام بها الرئيس ترامب بسبب خسارته أمام بايدن.

دخل بايدن البيت الأبيض... كان الكل بانتظار العشرين من كانون الثاني، مترقّبا هذا اليوم التاريخي، بدءاً بمنطقة الشرق الأوسط، مروراً بإيران، وصولاً إلى الصين، فهل يا تُرى انقشعت الغيوم السوداء عن العالم الذي عاش القلق بسبب قرارات ترامب المتهورة؟

وهل دخل العالم مرحلة سياسية جديدة مع بايدن؟

الجواب بالتأكيد: نعم! نحن أمام مرحلةٍ سياسية جديدة، ويُتوقع أن تكون بعيدة عن العنصرية، وستمهّدُ لدورٍ أميركي جديد في المنطقة، لكن من دون أن نتفاءل بشكلٍ كبير.

إيران أعادت تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، والرئيس روحاني دعا الرئاسة الأميركية إلى رفع العقوبات عن إيران للالتزام بالشروط، والمعطيات السياسية تشيرُ إلى أن الرئيس الجديد قد بدأ بشكلٍ غير مباشرٍ بالتفاوض مع إيران من أجل برنامجها النووي.

«تل أبيب» التي إعتدت - كما العادة - في الآونة الأخيرة على سوريا، عبر شنها للغارات على مواقع فيها من جهة، وعبر طلعاتها الجوية المكثفة فوق سماء لبنان من جهةٍ ثانية، هي أمام واقعٍ جديد، فترامب الذي ساندها منذ بداية عهده لم يعد موجوداً، لكن بالتأكيد لن يكون بايدن عدوها، فلطالما كانت سياسة الولايات المتحدة نصيرةً للكيان الصهيوني، ومنفذة لقراراتها العدائية تجاه بعض دول الشرق الأوسط، وتجاه الشعب الفلسطيني.

وعلى خط متصل، فالكل بإنتظار أن تتبلور وتظهر خارطة العالم الجديدة، لا سيما أوروبا التي عانت من السياسة الترامبية غير المستقرة، بالإضافة إلى صقور الشرق الأوسط، فيما المطبلون والمزمرون كثيرون فرحًا برحيل ترامب العاجز عن حمايتهم وحماية أهدافهم واستراتيجياتهم، كما برزَ من يرقص على أنغام الربح والخسارة، ويستذكر الحلو والمر والرذيلة، ولا فرق عنده بين غثّ وسمين.

وأما في المقلب الآخر في لبنان، فماذا عن واقعه السياسي المأزوم؟! في ظل غياب تشكيل الحكومة، وإصرار فرنسا على إنجاح مبادرتها، وإن كانت على مستوى فردي يتمثل بالرئيس الفرنسي ماكرون، ودعوته لبنان إلى الذهاب نحو حياديةٍ ما، وترك الأمور والأحداث الخارجية في مكانٍ آخر، وإرساء السلم الأهلي الداخلي... حيث تقول مصادرُ سياسية مطلعة: إن مراجع دبلوماسية تنتظرُ خطوات محددة فيما خص الملف الحكومي، لتنطلق ورشة اتصالاتٍ جديدة تساند مشروع مصالحة مقترحة بين الأطراف والقوى السياسية.

لبنان الذي ما زال يبلسم جراحه من واقع هذه المنظومة، يعيشُ اليوم الحركة المكوكية التي يقوم بها اللواء عباس إبراهيم على خط بعبدا وبيت الوسط .... خطوات ومبادرات لا بدّ أن تثمر، وأن يبدي الجميع التجاوب معها، للخروج من المستنقع الذي وصل إليه لبنان، واستغلال أيّ بادرة أمل تضع لبنان على بداية الطريق، لتحسين الوضع المعيشي، والإبتعاد عن التعنت، وإزالة المخاوف والهواجس بين الأطراف السياسية... وليس خافيا ما أشار إليه مصدرٌ سياسي مطلع أن جولة اللواء إبراهيم تختلف عن السابق، بعدما كانت التسريبات تجهضُ أيّ مبادرة، أما اليوم فهي حركة صامتة دون هدير لمحركاتها، مع وعد من المسؤولين بعدم التصريح أو الكشف عن أي جديدٍ حتى نضوج الحل، وهو ليس بعيداً عن روحية البطريرك الراعي، فيما أكد المصدر عينه أن أفرقاء الداخل، ولا سيما المحور، يؤيدون ذلك، وأن رسولاً من قِبلهم أوصل رسالة اطمئنان ورضى لكل خطوة تصل إلى تفاهم مشترك، وتشكيل حكومة إنقاذية خالية من المخاوف والهواجس الداخلية بين الأفرقاء.. فالكيل طاف... والبلاء عمّ... ونحن في القاع!