تتحدث أوساط ديبلوماسية متابعة لمسار المفاوضات الجارية من أجل التوصل إلى اتفاق يسمح بتسهيل عملية تأليف الحكومة، عن غياب تام للمواكبة الخارجية لهذه العملية، معتبرة أنه من المهم الإفادة من هذا الإنشغال الخارجي لإرساء مناخ داخلي بالحد الأدنى من التفاهم بين القوى الفاعلة، يؤدي إلى تأليف حكومة بشكل سريع، وبعيداً عن كل التجاذبات ذات الطابع الإقليمي والدولي، خصوصاً بعد اتضاح روزنامة الإدارة الأميركية الجديدة، والتي لا تلامس في أولوياتها ملفات المنطقة، ومن بينها الملف اللبناني والتعاطي الأميركي مع القيادات المحلية لجهة الإستمرار في تقديم الدعم وفق برنامج الدعم القائم للمؤسسات الأمنية والعسكرية وجمعيات المجتمع المدني.

وفي هذا الإطار، فإن كل ما كان يتم التداول به عن «فيتوات» خارجية تمنع الإسراع في ولادة حكومة الرئيس سعد الحريري، لا ينطبق على المعطيات الحالية، وبالتالي، فإن التسوية للأزمة الحكومية هي سياسية داخلية في الدرجة الأولى، على الرغم من التشابك في بعض جوانبها، والتي لا تحول دون إنهائها، حيث تعتبر الأوساط، أن الخلافات الداخلية حول النفوذ في السلطة هي العامل الأساسي وراء الجمود الحاصل في مسار التأليف، ولا سيما أن أياً من الفريقين المؤثّرين في هذا الملف، بات اليوم مستعداً للتراجع عن شروطه التي باتت معلومة في الداخل والخارج.

لكن هذا الواقع لا يعني بالضرورة أن الأفق مسدود بالكامل، كما تتابع الأوساط نفسها، والتي ترى أن المأزق القائم يصطدم بموجة من الرفض في صفوف المواطنين أولاً، والمسؤولين غير الفاعلين والمؤثرين في التسوية الحكومية، وبالتالي، فإن الخلاف المرشّح للتطوّر في الأسابيع المقبلة سيتخطى العنوان الحكومي إلى عناوين أكثر حساسية وخطورة، مما يدفع حكماً نحو إعادة دوران عجلة الوساطة التي لا تزال جارية ويقودها المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، ولكن بعد توصل الجميع إلى خلاصة ثابتة بأن مصلحة القوى السياسية الفاعلة هي من مصلحة كل اللبنانيين، ولن يستطيع أي فريق داخلي أن يحقّق مكاسب سياسية خاصة بمعزل عن كل الأطراف الأخرى، كما تكشف الأوساط الديبلوماسية نفسها، والتي تؤكد أن التذرّع بالمواقف الخارجية لعرقلة التسوية الحكومية هو مجرّد محاولة لتحقيق أهداف محلية بالكامل.

ومن هنا، فإن تجاوز الخلافات ما زال ممكناً، كما تضيف هذه الأوساط، رغم غياب المؤشّرات في الفترة الراهنة، ذلك أن عملية تهيئة الأجواء ما زالت في بدايتها، وأن المبادرة محصورة بالقوى الداخلية، إذ ان الرئيس المكلّف سعد الحريري يضع الكرة في ملعب رئيس الجمهورية ميشال عون، فيما رئيس الجمهورية متمسّك بدوره كشريك في عملية التأليف.

وإزاء هذا الإنسداد الحالي، فإن الأوساط الديبلوماسية نفسها، تشدّد على أن ما من مبادرة خارجية في المرحلة الراهنة، وذلك بعد سقوط المبادرة الرئاسية الفرنسية، ولكن القرار الدولي ما زال يدعم صمود لبنان ويعارض انهياره، ولكن في الوقت نفسه لن تتدخّل القوى الفاعلة والمؤثّرة بالملف اللبناني في عملية تأليف الحكومة سلباً أو إيجاباً، على الأقل في المدى المنظور.