والأمر قد يطول إلاّ إذا نجحت المساعي الداخلية

أظهر الجمود على صعيد تشكيل الحكومة بوضوح أنّ الدستور اللبناني غير قادر أو عاجز بالأحرى، عن وضع حدّ لعدم تحمّل المسؤولين السياسيين لمسؤولياتهم، وإمكان محاسبتهم أو «إرغامهم» على القيام بواجباتهم تجاه الشعب. فلا مدّة محدّدة في الدستور لبقاء الحكومة بعد استقالتها وتحوّلها الى حكومة تصريف الأعمال، ولا مهلة معيّنة للرئيس المكلّف تشكيل الحكومة تُرغمه على تقديم تشكيلته النهائية، ولا من فترةمحدّدة بالتالي لرئيس الجمهورية لقبول أو رفض التشكيلة المقدّمة له من قبل الرئيس المكلّف..

هذا الواقع فرض مسألة ضرورة تفسير الدستور أو تعديله ليس بهدف استعادة صلاحيات رئيس الجمهورية وحسب، إنّما بالدرجة الأولى لوضع حدّ للإستغلال الحاصل للثغر القائمة في «وثيقة الوفاق الوطني» التي جرى توقيعها في «اتفاق الطائف» في العام 1989، على ما أكّدت مصادر سياسية مطّلعة، سيما أنّ الهدف من «اتفاق الطائف» لم يكن لخلق المزيد من الخلافات والإنقسامات، كما أنّ الهدف من تعيدله يجب أن يكون لوضع حدّ للمهل المفتوحة، أطالت رئاسة الجمهورية أو الحكومة أو مجلس الوزراء. فهذه المهل غير المقفلة تجعل البلد يعيش تعطيلاً، أو جموداً أو فراغاً سياسياً أمام كلّ إستحقاق بسبب الخلافات الداخليّة، الأمر الذي ينعكس بشكل كبير على الأزمات المتراكمة في البلاد، على ما يحصل حالياً، والتي تحتاج الى معالجة جذريّة وسريعة لا يُمكن اتخاذها من دون وجود حكومة فاعلة.

وبما أنّ مجلس النوّاب هو الوحيد الذي ينعقد حالياً، (علماً بأنّ لا شيء يمنع حكومة تصريف الأعمال من عقد الجلسات)، على ما أوضحت المصادر، وهو المخوّل بالتالي «تفسير الدستور»، فعليه الدعوة للقيام بهذا الأمر. غير أنّ ذلك لا ولن يحصل في الفترة الراهنة كون المجلس نفسه يضمّ الكتل النيابية التي هي على خلاف فيما بينها. ولهذا فكلّ كتلة منها ستُفسّر المواد الدستورية وفق حساباتها السياسية، ولن ترضى بالتالي بوضع المهل المقفلة، كونها «تنزع» منها بعض الأوراق الرابحة التي تتمسّك بها حتى الآن.

وقالت المصادر انّ ثمّة تراكمات عديدة طرأت على العلاقة بين عون والحريري، ما أدّى الى تراجعها منذ لحظة التكليف من أقصى التفاؤل الى أقصى التشاؤم. فقد بدا الحريري خلال اللقاءات الثلاثة الأولى مع عون وكأنّه يريد إعطاء كلّ شيء من أجل التشكيل السريع للحكومة، لكنّه عاد وتراجع عمّا أوحى به خلال مسار اللقاءات التالية، ما جعل الثقة تنكسر بين الرجلين. ومن المؤكّد أنّ حسابات كلّ من الطرفين المعنيين والأطراف الأخرى في ما يتعلّق باستحقاقي الإنتخابات النيابية والرئاسية في أيّار وتشرين الأول من العام المقبل هي التي كانت السبب الرئيسي في تراجع الأمور. ولهذا فالمطلوب اليوم الإستفادة من جميع المساعي التي تُبذل من هنا وهناك، لاستعادة الثقة المفقودة بين عون والحريري لكي يصلا الى مرحلة تأليف الحكومة.

ولأنّ الخلاف يتمحور حاليّاً حول المادتين 53 و62 من الدستور المعنيتين بالتأليف، فقد تحوّل تدريجاً من أزمة التأليف الى أزمة النظام. ولهذا فلا بدّ من الإلتقاء في مرحلة معيّنة من خلال نجاح أحد المساعي، من دون الذهاب الى اتفاقات كبرى كاتفاق الطائف أو اتفاق الدوحة، لأنّ أي دخول في اتفاق من هذا النوع يمسّ بالمكتسبات لن ينجح.

وكشفت المصادر بأنّ الأخطر اليوم في لبنان ليس أزمة النظام والحُكم فقط، إنّما أزمة الدور الوظيفي للبلد في إطار مشهد منطقة الشرق الأوسط ككلّ التي يُعاد رسمها وتقسيم النفوذ فيها. ولعلّه السبب الأساس الذي أدّى الى الأزمة المالية والإقتصادية التي يعيشها، كما الى استهداف مرفأ بيروت الذي كان واجهة لبنان على المتوسط وحلقة الربط بين الشرق والغرب. غير أنّ ما يُسهّل الأمر نوعاً ما، هو أنّ كلّ دول المنطقة تُعاني من أوضاع صعبة، وثمّة إعادة ترتيب شاملة قد تجري لها وعلينا انتظارها، وهذا الإنتظار قد يطول، إلاّ إذا نجح أحد المساعي الداخلية، كمسعى الكاردينال الماروني مار بشارة بطرس الراعي، أو مسعى حزب الله الذي يُقال إنّه مستمرّ بعيداً عن الأضواء، أو مسعى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الذي لم يظهر الى العلن بعد. فقد تحدّث برّي عن أنّه يُفتّش عن «بقعة ضوء»، ولا يجدها حاليّاً في الداخل، وقد يكون يبحث عنها في الخارج لإيجاد فجوة من شأنها كسر الحائط المسدود أمام تشكيل الحكومة.

من هنا، أكّدت المصادر نفسها أنّ الأزمة السياسية مستمرّة في انتظار ظروف موضوعية أوسع تتعلّق إمّا بتقسيم النفوذ في المنطقة أو بإدارة الصراع على قواعد متفق عليها، أو بأخذ لبنان الى مواجهات كبرى تفرض إعادة فتح قواعد النقاش لترتيب المنطقة. علماً بأنّ أطراف عديدة في البلد، تريد ولادة الحكومة اليوم قبل الغد، على أن تكون قادرة على حلّ جميع المشاكل التي يتخبّط فيها البلد، على ما تُطالب به المبادرة الفرنسية التي لا يزال الحريري يتمسّك ببنودها لتشكيل حكومته.

لهذا لا يبدو أنّ أياً من الأطراف المعنيّة سيتنازل للطرف الآخر من دون الحصول على مقابل، إلاّ في حال حصول تسوية كبيرة تشمل المنطقة، أي أنّنا نعود الى نقطة انتظار التسويات الخارجية بعد وصول الرئيس جو بايدن الى البيت الأبيض وتخطّي تاريخ 20 كانون الثاني. ومتى حصلت فإنّ الداخل اللبناني سيكون مستعدّاً للتوافق سريعاً على تشكيل الحكومة، وربّما للذهاب الى طاولة الحوار أو الى مؤتمر لتفسير أو تعديل الطائف.