للفرح الاتي الغافي، من الماضي، في الذاكرة، لا يفيق من تلقائه، توقظه طرقات على بابه، أغلب الاحيان، من حاضر اليم. على طرقات هذه الايام، أسمع، مع تردد الاصداء البعيدة، صوت فجر، مثلها، بعيد، لكنه واضح كصياح الديك يستقبل طلائع الضوء.

يقول الصوت : أيها المنتشون بأحزانكم تظنون فيها مبعث الافراح. أما وقد استنفدتم ظنونكم فهاكم ما يقوله مختصر الاحزان : مفرداتكم سقطت من قواميسها، اهترأت من كثرة ما داستها السنة الهجائين وسائر الكذابين، اهترأت من كثرة ما لاكتها أرجل المداحين.

أيها الحزانى، الذين لم يتجدد، في حياتكم، من دهور الا الاحزان، هذي فرصتكم، على هذا المفرق من التاريخ، أن تصوغوا لكم مفردات جديدة صالحة لان يجري في عروقها دم حياة جديدة. اكتبوا بها عهدا للبقاء ولا تسموه عهدا جديدا، كي لا تدعي صلة القربى به، اخلاق «العهد القديم»، بكل ملحقاته من اديان ليست سماوية. واحرصوا على ان تنزعوا من دفاتر ايامكم الاتية كل الاوراق المكتوب عليها كلمات. او اقلبوها، كي لا تنقطع سلسلة الزمن فتصيروا ابناء ابناء الفراغ، ولا تصدقوا ما هو مكتوب فيها. فالنضال، فيها، اسم مستعار لحقيقة استشهدت مع اخر الاستشهاديين. والدين فيها، كناية عن اخر الصفقات ما بين الخطوط الحمر ومغفرة الخطايا. والله ذاته، سبحانه، هو فيها اسم مستعار لمعنى ضائع بين اللاهوت وعلم الكلام. كل ما في هاتيك الصفحات من كلام هو غمام وحرام. فانزعوها او اطووها وانتقلوا، ولو لمرة، الى صفحة بيضاء، ليس بعدها الا الصفحات البيض، وادعو من هناك، ارفعوا الدعاء للحياة، عل قلما جديدا يأتي ويكتب فعلا سالما حقيقيا واسما غير مستعار.

اننا يضنينا الشوق الى ان نقرأ اسما حقيقيا فاعلا لفعل حقيقي. كل الافعال امامكم معتلة. اقلبوا هذه الصفحة الاخيرة علكم تستيقظون على جملة مفيدة، لا تختبىء، في حروفها، الكوابيس.