بعد استقالة حكومة حسّان دياب في آب الماضي، وقبل تكليف الرئيس سعد الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة، قال أحد السياسيين من الصف الاول في جلسة خاصة أن «لا تنتظروا حكومة جديدة قبل نهاية الشتاء وبداية فصل الربيع». يومها نظر الحضور إلى الرجل مستغربين، على اعتبار أن كل ما كان يجري في البلد آنذاك كان يوحي أن الفرنسيين لن يسمحوا بانتهاء العام قبل تشكيل الحكومة. إنتهى العام وها نحن على مشارف شهر شباط ولا تزال الحكومة ضائعة.

تذكّرت تلك الجلسة وكلام هذا السياسي في هذا التوقيت لأن الساعات القليلة الماضية حملت تطورات إيجابية قد تؤدي لإعادة إنطلاق مساعي تشكيل الحكومة، ولكن الفارق هذه المرة، أن المساعي لن تكون لبنانية فقط، بل تأتي من الخارج.

وفي التفاصيل، بحسب مصادر سياسية مطّلعة أن الإتصال الفرنسي الأميركي الذي تم على مستوى رئاسة الجمهورية حمل إشارات إيجابية بشأن اقتراب تحريك الملف اللبناني بدفع فرنسي أميركي مشترك، مشيرة إلى أن الفرنسيين خرجوا بانطباع أن الضوء الاخضر لهم في لبنان لن يتأخر لأن الأميركيين يريدون تقسيم بعض المهام، وهم يتجهون لإعطاء الاولوية إلى ملفات أخرى في المنطقة غير لبنان.

وتؤكد المصادر أن الاميركي الذي كان إيجابياً مع الفرنسيين بشأن لبنان، أراد التركيز على نقطة أساسية وهي ترسيم الحدود بين لبنان والعدو الإسرائيلي، وعبّر للفرنسيين عن أن أولويته في لبنان هي هذه، بالمقابل كان تركيز الفرنسيين على ضرورة التعامل مع الملف اللبناني كما يراه الفرنسي، وهو الأمر الذي لم يوافق عليه ترامب سابقاً، وهو أن التعاطي مع لبنان لا يمكن أن يستوي دون إشراك حزب الله، كونه يشكل جزءاً من هذا البلد، مع العلم أن الفرنسيين يطلقون على هذه النظرية «الرؤية الواقعية».

ومن الإشارات الإيجابية التي تلقفتها المصادر السياسية في الساعات الاخيرة، تحرك السفيرة الأميركية في بيروت، خصوصاً ان مراقب عمل هذه السفيرة يُدرك أنه في الأسابيع القليلة الماضية تجمّد العمل السياسي للسفارة في لبنان، إذ لم يكن لديها ما تقدمه، ولا رؤية تعمل وفقها، ولكن بعد وصول بايدن وإنطلاق عمله، تلقّت السفارة الاميركية في بيروت تعليمات واضحة بشأن المسار الأميركي الجديد، وانطلقت السفيرة لتعمل على أساسه، كاشفة أن الأميركيين يحضّرون الملف اللبناني بكامل تفاصيله، وهذا الأمر بعهدة السفيرة.

وتشير المصادر إلى أن التفاؤل الفرنسي في إمكان «العمل براحة» في لبنان، بدأ يُترجم من خلال إتصالات تجري مع الجهات العربية والدولية المؤثرة في بيروت، وذلك لأجل تأمين الزخم المطلوب للعودة إلى المبادرة الفرنسية، خصوصاً ان مستشاري ماكرون أبلغوه نهاية العام الماضي بأن زيارته إلى لبنان قبل تشكيل حكومة ستقدّم صورة سيئة عن الإدارة الفرنسية وقدرتها على تحقيق خطتها، لذلك فمن المستبعد اليوم بحسب المصادر أن يزور ماكرون لبنان، ولكنها لا تستبعد إيفاد شخصيات فرنسية إلى بيروت لتحضير الأرضية المناسبة لنجاح المبادرة الفرنسية، والتي بحال فُعّلت مجدداً، فإنها لن تكون فرنسية وحسب بل دولية، كونها ستحظى بدعم وتأييد أميركي، عربي وإيراني.

كل هذه الإشارات التي وصلت إلى لبنان في الساعات الماضية حرّكت المياه السياسية الراكدة، إذ عاد النشاط إلى مدير عام الامن العام عباس ابراهيم لمحاولة تذليل بعض العقبات الداخلية قبل استعادة الزخم الخارجي، ولكن لا تزال العقد على حالها، وأبرز هذه العقد، العلاقة الشخصية بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف.