لماذا عهد الى رئيس الأركان آفيف كوخافي، بالذات، أن يهز اصبعه، بالغطرسة الاسبارطية، أو التوراتية، اياها في وجه جو بايدن : قرار الحرب في أورشليم لا في واشنطن. عليك أن تخلع أسنان آيات الله في المنطقة بدلاً من أن تقدم لهم القنبلة على طبق من الفضة...

هل هو الاغتيال السياسي، والاغتيال الاستراتيجي، حتى قبل الخطوة الأولى؟

هذا لا يحول دون اضاءة ما يحدث في القنوات الخلفية بين الأوروبيين والايرانيين حول المسارات الخاصة باعادة احياء الاتفاق النووي.

الأوروبيون يقولون ان الايرانيين يعون تماماً ما هي نظرة الرئيس الأميركي الى الاتفاق كضرورة استراتيجية للولايات المتحدة التي يفترض بها ترتيب المعادلات، والعلاقات، في الشرق الأوسط كمسرح خلفي لصراع الباسيفيك الآتي لا محالة...

في رأيهم أن دونالد ترامب لم يطوق خلفه بالأسلاك الشائكة فحسب. أحاطه بالألغام من كل حدب وصوب. وهذا ما يحمله على التأني، واعتماد ديبلوماسية الخطوة خطوة في مقاربة المسائل القابلة للانفجار.

في هذه الحال، لا داعي لاطلاق الايرانيين الصيحات السياسية التي اقرب ما تكون الى الصيحات العسكرية في وجه دونالد ترامب. لا داعي أيضاً لتحديد المواعيد القاتلة كما في موعد الخروج من البروتوكول الاضافي الذي التزمت به طهران للتدليل على حسن نواياها.

الأوروبيون يقولون أيضاً ان من الأفضل أن تصدر عن الايرانيين مواقف اكثر براغماتية، ويمكن أن تساعد بايدن على العودة الانسيابية الى الاتفاق، وهم الذي يعلمون ماهو تاثير اللوبي اليهودي في الاستبلشمانت، خصوصاً بعد التطورات الدراماتيكية التي حصلت في العلاقات العربية ـ «الاسرائيلية»، وتشكيل جبهة ضد ايران.

الايرانيون الذي اصغوا بدقة الى اقوال وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن، ووزير الدفاع لويد أوستن، في مجلس الشيوخ، يتحدثون عن الضغوط التي تمارس على البيت الأبيض لدمج ملف اتفاق فيينا وملف الصواريخ الباليستية، بالاضافة الى الدور الجيوسياسي، والجيوستراتيجي، لايران في المنطقة، وهذا ما أعلنوا رفضه حتى لو بقيت العقوبات لمائة عام..

أكثر من ذلك، الايرانيون أبلغوا وسطاء بأنهم ينتظرون خطوات عملية لرفع العقوبات، والا فان لديهم أوراقاً كثيرة يمكن أن يلعبوها في هذا الصدد. لوحوا أيضاً بالخروج من الاتفاق «باعتبار أننا الوحيدون الذين نلتزم بأحكامه، وهذا لم يعد له أي معنى».

هم ينتظرون من الأوروبين خطوات عملية بعدما كانوا يتذرعون بجنون دونالد ترامب «كما لو أن الماتادور يلقي بالوشاح الأحمرفي وجه ثور هائج»!

المراقبون في أكثر من عاصمة دولية يعتقدون أن الأوروبين والايرانيين كل له حججه المنطقية. هذه مرحلة تكتيكية بامتياز. كل طرف يجمع ما أمكن من أوراق القوة لوضعها على الطاولة. ومع اعتبار أن الايرانيين لا يمكن أن يدخلوا الى ردهة المفاوضات الا بجدول أعمال يلحظ بنداً وحيداً : العودة الى الاتفاق النووي.

الجانبان الأوروبي والايراني على بيّنة تامة بأن المواصفات الشخصية لجو بايدن مختلفة كلياً عن المواصفات الشخصية لدونالد ترامب. الرئيس الحالي ليس في صدد التصعيد، في حال من الأحوال، مع آيات الله. هو الذي كان ضد الخروج من الاتفاق، وقد جاء بوزير للخارجية، وبمستشار للأمن القومي (فضلاً عن مدير وكالة الاستخبارات المركزية) شاركوا في صناعته.

هنا الشرق الأوسط، بحمولته التاريخية والايديولوجية، كما بحمولته الأمبراطورية والقبلية، دون اغفال التغييرات التي حدثت في المشهد أثناء السنة الأخيرة، وحيث نشأت معادلات، ووقائع، لا يمكن القفز فوقها...

هذا قد يعني حفر الطريق بالابرة للعودة الى الاتفاق. ولكن أمام بايدن طرقات كثيرة لكي يطرقها. يعرف كيف يقول لكوخافي، ولمن يقف وراءه، «نحن أدرى منكم بأمن أميركا، وبأمن اسرائيل، وبـأمن...العالم»!!