كلمات في زمن الغربة



الهجرة التي ادمناها، في بلدتنا، قد اصبحت، لطول مراسنا فيها، جزءا من الهوية المعذبة، في المتحد الصغير. وهي، في حقيقتها البعيدة، مرة وقاسية. ولا يعكس ظاهر العمارة الجميلة، الا تعبيرا تعويضيا عن معاناة وعن مقاساة. هي هجرة مرة، كانت ولما تزل مرة ومرة، رغم ما يتراءى للرائين من بعيد، لكثيرين، من سراب حلاوات استهلاكية عبثية عابرة وخادعة. ولا يعرف المرارة الا معانوها. انها مرة لان فيها، اولا، سلخا للجسد عن ذاته الاصيلة، عن جوهر حياته، وذلك بحثا عن ذات بديلة لا يعثر عليها الهائمون خلف احلام، لا يكاد يتحقق منها واحد حتى يقطع قدر عليك باقي الطريق. بعد خمس وثلاثين سنة على العودة وتضميد الذات، هاءنذا استشعر، ربما بتداعيات من أسى هذه الايام الكثيرة بشائعها والويل والغرائب، أستشعر، قلقا، ان هجرة بعيدة تكتب علي من جديد، وان سكينا فاغرة فاها، اتية تسلخ جلدي عن ذاتي، عن جسدي. واستشعر، يا لبؤسي، لو صح ذلك، ان الله دخل في غيبوبة أبدية.

فيبدو لي، اذّاك، كأنه لن يبقى، على وجه الغمر عندنا الا سفن، هي اليوم، طائرات تأخذ الناس من مجهول الى مجهول. واذّاك، لن يبقى للناس من شيء مفيد، مما توارثوه من امال متداخلة بالالام والاوهام. ولن يبقى لهم اله ينصرهم على القوم الظالمين، ولا حتى من يسألونه خبزهم كفاف يومهم، لن يبقى لهم رجاء في اله ينجيهم من الشرير.

تكثر مع الخوف من هجرة الى مجهول الرؤى والحقائق. انها الهجرة ذات الغربة الاشد ان ينسلخ عن المؤمن رجاؤه، رجاؤه، ولو مخبأ في حلم أو خلف السراب.

ايها المهاجرون، غدا، تعالوا نبحث عن اله اكثر رحمة من هذا الذي يهجرنا، ساعة الحاجة اليه.