يجمع معظم من زار اسطنبول من اللبنانيين على مدى الاعوام الستة الفائتة على إعجابهم بما تجمعه هذه المدينة من حفاظ على التراث ممزوج بحداثة وتطور يكاد يضاهي الدول الاوروبية. فما هو سر هذه المدينة التي كانت غارقة في التلوث والفقر والديون؟ وما هي هذه العصا السحرية التي انتشلت إسطنبول وجعلتها من أهم الوجهات السياحية العالمية؟ لعلّنا من خلال معرفة وكشف هذا السر نتمكن من استخلاص العبر في لبنان.

من مستنقع تلوث وروائح كريهة إلى أهم الوجهات السياحية في العالم 

كان العام 1994 عام بداية التحول الكبير الذي شهدته إسطنبول ... كانت سحابة تلوث سوداء تغطي سماء المدينة، وكان الأهالي محرومون من المياه التي تصل إلى منازلهم يومين في الأسبوع لمدة ساعتين فقط، وأدّى تكدّس القمامة وانتشارها في كل شوارع إسطنبول إلى انبعاث روائح كريهة في كل مكان من حول القرن الذهبي في البسفور الذي تحول إلى ما يشبه مستنقعاً ذا رائحة كريهة حينها كان بعض أهالي المدينة يرتدون الكمامات عند الخروج من المنازل ليس بسبب كورونا وقتها، إنمانظراً لتلوث الهواء بسبب الدخان المتصاعد من الأبنية السكنية نتيجة اعتماد السكّان على الفحم الحجري كوسيلة تدفئة رئيسية في فصل الشتاءآنذاك بسبب عدم توفر بدائل أُخرى للتدفئة.

لم تكن الحلول المطروحة كثيرة حينها إذ كانت ميزانية بلدية إسطنبول مديونة بأكثر من مِليارَي دولار،

وكحلول جذرية قام رجب طيب اردوغان الذي استلم رئاسة بلدية إسطنبول حينها بتأسيس أكثر من شركة تختص كل واحدة بمعالجة مشكلة معينة. فقام مثلاً بتأسيس شركة ايداغاز لاستيراد الغاز من روسيا وأساس شركات أخرى لبناء السدود ومعالجة مشكلة المياه والصرف الصحي.

قانون البلديات الكبرى: صلاحيات أوسع واستقلالية إدارية ومادية عززت اللامركزية

التطور الذي أحدث الفارق الكبير أتى بعد اقرار قانون البلديات الكبرى حيث أصبحت البلدية مؤسسة عامة تتمتع باستقلالية إدارية ومالية كبيرة عن الحكومة المركزيةوتتمتع بمروحة كبيرة من المهام والصلاحيات منها على سبيل الذكر لا الحصر: إعداد وتدقيق المخططات التنظيمية لمناطق الواقعة ضمن حدود الولاية وإقرار تلك الخطط، منح رخص البناء ضمن حدود الولاية ووفقاً لخطط تنظيمية، منح رخص العمل للمنشآت التجارية، تحديد أشكال وطرق وأساليب والمواقع التي يمكن استخدامها للإعلانات، ادارة ملف النفايات الصادرة عن المدينة، او النفايات البحرية أو المخلفات الطبية وغيرها، ترخيص ومراقبة المؤسسات المسؤولة عن المواد الغذائية، كما تمتلك البلدية الكبرى جهازاً أمنياً مخصصاً لمراقبة وتنفيذ قوانين البلدية ويسمى الضابطة ... و الكثير من المهام والصلاحيات الاخرى التي لا تقل شأناً عما سبق ذكره.

فيما يتعلق بالمواردالمالية، أقر القانون التركي عدة موارد ومصادر دخل للبلديات منها: حصة من الضرائب والرسوم التي تحصلها الحكومة إلى الخزينة المركزية إضافة إلى الأموال العائدة من رسوم نقل الملكية والإيجارات والضرائب العقارية وكذلك تسهم الغرامات والفوائد التي تجنيها البلدية، بخلاف الهبات وأجور المواصلات ومواقف السيارات في المدينة.

كما أن العديد من الاستثمارات التابعة للبلديات الكبرى تسهم في صندوق هذه البلديات فلدى بلدية اسطنبول الكبرى مثلاَ حوالي 30 شركة عملاقة تعمل في شتى المجالات وهي أكبر خمس شركات في أوروبا لتطوير أعمال البلديات وتعمل في أكثر من عشر دول، حيث الوارد الشهري للبلدية يتجاوزمليار وثمانمائة مليون دولار إضافة إلى العديد من الموارد الأخرى.

عملت الحكومة التركية في السنوات الماضية على تعزيز دور الادارة المحلية بشكل كبير مما ساهم بإعادة تعريفها باعتبارها كيانا مستقلا إداريا وماليا يعمل على تقديم الخدمات المحلية للمواطنين في أقرب مكان لهم مساهماً بتعزيز مبدأ اللامركزية في تقديم الخدمة. كنتيجة لذلك باتت الإدارات المحلية أكثر قوة من حيث الاستقلال الإداري والمادي وأصبحت البلديات أكثر قدرة على القيام بمهامها بشكل أكثر منفعة وتأثيراً.

فما الذي يمنع لبنان من استنساخ هذه التجربة وتطبيقها، سيَما أن المناطق في لبنان ذات مساحة أصغر ويمكن ادارتها بشكل تام إذا ما اعتمد هذا النسق؟ وكيف يمكن للامركزية الإدارية أن تساعد لبنان في تخطي الكثير من مشاكله؟

 برجا استشعرت نجاح إسطنبول وسعت خلفه: مشروع توأمة نائم في أدراج الحكومةمنذ عام ونصف! 

في هذا السياق كانت بلدة برجا الساحلية في محافظة جبل لبنان، قضاء الشوف، من أولى البلدات اللبنانية التي استشعرت أهمية هذه التجربة وعملت على التعمق فيها والبحث في استنساخ أساليب الجمهورية التركية فيما يخص البلديات واليات عملها، فنظمت ندوة بعنوان «نهضة تركيا المعاصرة» وبحضورالباحث التركي، حسين بكر علي، وعضو بلدية إسطنبول القيادي في حزب «العدالة والتنمية» التركي محمد ماظي.

للوقوف على هذه التجربة، قامت الديار بلقاء رئيس بلدية برجا السابق، السيد نشأت حمية للوقوف على الدوافع وراء هذه الندوةواستطلاع الخطوات التي قامت بها البلدة في السعي لتحقيق التطور المجتمعي.

يبدي السيد حمية اعجابه بالتجربة التركية البلدية قائلاً: ما لفت نظرنا هو القوانين، التنمية المحلية، التطور العمراني، الخدمات وغيره الكثير من الامور التي أوحت إلينا بالسعي إلى تأسيس توأمة مع إحدى البلديات الصغرى التابعة لبلدية إسطنبول الكبرى. للغاية تواصلنا مع الباحث التركي حسين بكر علي لشرح الية العمل التي تم اعتمدها لتحقيق هذا التطور، وهو بدوره وافق على إلقاء المحاضرة التي شهدت حضوراً كثيفاً من أهالي البلدة وتفاعلاً كبيراً عبر طرح الأسئلة المتعطشة لمعرفة سر هذا النجاح.

فور انتهاء هذه الندوة استشعرنا القبول لدى السكان وباشرنا بالتحضير لعمليات التوأمة. توصلنا مع بلدية باجيلارالتابعة لبلدية إسطنبول الكبرى وتمت الموافقة من الطرفين على المباشرة بالتحضير للاتفاقية التي تمكننا من الاستفادة من خبراتهم في تطوير بلدتهم وتمكنهم من تقديم المشاريع والخدمات التي تساعدنا في النهوض بالتنمية المحلية.

بعد التوافق بين البلدتين، حصلت باجيلار على الموافقة الرسميةمن وزارة الداخلية بظرف أربعة أيام، بينما لم نتمكن نحن من الحصول على الموافقة بعد سنة ونصف حيث مازالت الاتفاقية تتنقل بين وزارتي الداخلية والخارجية وحالياً الامور معلقة بانتظار أن نقوم بالتوافق النهائي على تفاصيل بنود هذه الاتفاقية ثم باطلاع الوزارة عليهاكما طلب منا.

عن المعوقات والتحديات التي توجهها البلدية في مسيرة التطور المجتمعي، أردف السيد حمية مستنكرا: كيف لنا أن ننجح ونحن بعد عام ونصف لم نحصل على الموافقة الرسمية للبدء بخوض هذه التجربة؟ البيروقراطية الادارية والبطء في تخليص المعاملات الرسمية في دوائر الدولة، بالإضافة إلى تقصير الدولة نفسها في سداد مستحقات الصندوق البلدي، عوائق كفيلة بوقف عجلة التنمية والتطور.

ويستطرد رئيس البلدية السابق السيد حمية مطالباً بتعديل القانون البلدي خصوصاً لناحية المبالغ التي يمكن للبلدية صرفها دون الحاجة أن تتحول للمناقصات. في الوقت الحالي هناك ما يعادل مبلغ 20 مليون ليرة لم يتم صرفه بعد وهو عالق عند المناقصات منذ الفترة التي سبقت انهيار الليرةما معناه أن قيمة هذا المبلغ حالياً قد تضاعفت.على سبيل المثال دخلت البلدية في مناقصة لبناء ملعب كرة قدم منذ أربع سنوات ونصف وعندما تم البت بالأمر، قرار المتعهد عدم المضي في المشروع كون المبلغ المقرر كان بالعملة اللبنانية وهو ما لم يعد كافياً للمتعهد بعد ارتفاع الدولار.

ختم السيد حمية بلوم الدولة على تقصيرها بإيلاء البلديات الاهتمام المطلوب وبتكبيل صلاحيتها الأمر الذي يظهرها كالمقصر تجاه السكان ويمنعها من لعب دور أساسي في التنمية المجتمعية التي تسهم بالنهوض بالبلاد نحو مسيرة التطور.

يبقى على الدولة أن تعي أن للبلديات دور لا يجب الاستهانة به، وأن اللامركزية الادارية مدخل لتعزيز حضور الدولة على كافة اراضيها ممثلة بالإدارة المحلية التي لا تقل شأناً عن الإدارة المركزية.