طرابلس تغلي ... منذ مدة، شوارعها تشهد غليانا غير مسبوق، يخرج شبابها الى الشوارع في حالة غضب بلغ حد التمرد وكسر حواجز الخوف حسب ما يقوله اولئك الذين يهتفون في الشوارع حتى بحت حناجرهم، ومنذ مدة يبدي هؤلاء مواقف تنم عن مظلومية ألمت بهم، وروايات يحكيها بعضهم عن عائلة تأكل فتات الخبز مع الماء، او كهل يجر عربة بالكاد يؤمن قوت يومه ويتهاوى امامها...

شباب طرابلس محرومون من العمل.. وحتى الهجرة الى اوروبا مغمسة برائحة الدم في قوارب الموت.

الغاضبون يرمون جام غضبهم على الطبقة السياسية برمتها، كفروا بالسياسيين ويشددون على «كلن يعني كلن»... وحين تسأل بعضهم يؤكدون، أن نواب طرابلس منهم، بل ان الذين تولوا منصب رئاسة الحكومة من ابناء طرابلس منهم، ولم يستثنوا أحدا، وآخرون لم يوفروا الرئيس سعد الحريري الذي وعدهم بتسعمائة الف وظيفة، والبعض الآخر يحمل المسؤولية لمفتي الجمهورية التي تمتلك اضخم موازنة كافية لتجعل كل سني في لبنان في حالٍ جيدة لو كان التوزيع عادلا، او لو وزعوا هبات الخليج المالية بالعدل وحسب الاصول على المسلمين السنة وخاصة في طرابلس وشمال لبنان الافقر بين كل المناطق.

وهناك في طرابلس رجال دين سنة يوجهون اصابع الاتهام نحو ما يسمونه السلطة الحاكمة التي لا تعترف بلبنان الا من بيروت الى جبل لبنان وكسروان، وان هذه السلطة تختزل في بنيتها كل اشكال العنصرية المقيتة تجاه طرابلس وشمال لبنان... حسب رأي بعض رجال الدين، إذ تلمسوا ان تعامل هذه السلطة مع طرابلس هو تعامل فيه الكثير من النظرة الدونية... كيلا نقول طائفية حسب قول احدهم.

لماذا كل هذا الغليان في طرابلس؟

الدولة تتعامل مع الطرابلسيين كأنهم من الدرجة الثانية 

يقول احد المشايخ الطرابلسيين ان النقمة منصبة على الممسكين بزمام السلطة وعلى رموز العهد الحالي، ويقول: يبدو ان هذا العهد قرر الا يمنح طرابلس اي حق من حقوقها، فاذا اقرت المنطقة الاقتصادية في طرابلس يريد مثلها في منطقة اخرى، واذا اقر معمل كهرباء يريد معملا مماثلا له في منطقته، وكأن حقوق طرابلس لا تمنح الا بالمقايضة او عليها ان تجني من الشوك شوكا على شوك...

اما الشيخ نبيل رحيم (عضو هيئة علماء المسلمين) وأحد فاعليات طرابلس فيرى ان السلطة اللبنانية تتعامل مع الطرابلسي على انه مواطن من الدرجة الثانية، وان دمه رخيص.

ويشرح الشيخ رحيم الاسباب التي اوجبت هذا الغليان في طرابلس فيشير الى الاهمال والغبن اللاحق بالشارع الطرابلسي منذ سنوات طويلة حيث لا خدمات ولا تقديمات، ومثال على ذلك ضعف تقديمات وزارة الصحة ومعاناة الطرابلسيين مع الطبابة والاستشفاء قديم ومتواصل، وتقديمات الضمان الاجتماعي بطيئة يتلقى الطلبات وتسديد المتوجب يحتاج الى اشهر طويلة...

ويحمل الشيخ رحيم المسؤولية للسياسيين الطرابلسيين الغائبين برأيه عن اي خدمات ولم يستطيعوا تنفيذ اي مشروع انمائي يوظف فيه اعداد من الطرابلسيين ليقضوا على البطالة او يخففوا منها.

اما مسألة السجون الملأى بالطرابلسيين من اهل السنة فلها قصة اخرى عند الشيخ نبيل رحيم ولعلها احد ابرز اسباب هذا الغليان الذي تشهده طرابلس. فيقول رحيم:

فتحت ابواب السجون على مصراعيها امام الطرابلسيين، حيث يقبع فيها حاليا حوالى 300 سجين من طرابلس، ومن الموقوفين الطرابلسيين من قضى سبع سنوات في السجن وخرج بعد صدور الحكم بسجنه لمدة سنتين فمن يعوضه السنوات الخمس التي قضاها في السجن؟ ومنهم من قضى ثلاث سنوات سجينا ثم جاء الحكم بالبراءة... والكثير من السجناء يقبعون في السجن بلا محاكمات...

ويروي الشيخ رحيم ان عددا من السجناء الذين ظلموا وأفرج عنهم بعد الاحكام بالبراءة شكلوا لجنة وزاروا حينها القاضي جان فهد للمطالبة بتعويضهم عن السنوات التي قضوها ظلما في السجن فاجابهم انه لا يوجد في القانون اللبناني ما يوجب على الدولة التعويض عمن قضى سنوات سجنية ظلما.

 طرابلس مهملة 

ويتابع رحيم: طرابلس مهملة وممنوع على ابنائها الوظائف وحالة الفقر متفشية مع تفشي الكورونا والحجر المنزلي والتوقف عن العمل واقفال المؤسسات ليزيد الطين بلة ارتفاع سعر الدولار وتدني الليرة اللبنانية، وكثير من الطرابلسيين يعمل بأجر يومي فإن لم يعمل لن يأكل...

ويعرب رحيم عن اعتقاده ان السياسيين في لبنان عموما يستخدمون طرابلس صندوق بريد لتبادل الرسائل بينهم، وقد حدث ذلك بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، واثناء احداث نهر البارد، واحداث 7 أيار، ونشوب معارك التبانة وجبل محسن، ثم عقب سقوط حكومة الحريري الاولى، ومن ثم عودة اشتعال معارك التبانة وجبل محسن، وتبادل الرسائل بين 8 و14 آذار، كل ذلك أدى الى ان يشعر الطرابلسي انه مهمل ومغبون ومظلوم ولا دولة تقف الى جانبه، عليه تأدية واجباته كاملة من ضرائب وفواتير كهرباء وماء ولا حقوق له...

يسدد الميكانيك لكن لا طرقات سليمة في المدينة اينما توجهت...

ويختم رحيم قائلا: كل هذه الاسباب والوقائع ادت الى حالة الغليان وقد استغل البعض حالة الفقر والاهمال والحرمان والجوع عند الشارع الطرابلسي ووظفها للاعتداء على المؤسسات وعلى الاملاك العامة والخاصة، وهي اعتداءات مرفوضة ومدانة ولا يمكن ان نقبلها ابدا.

وكان يجب على الاجهزة الامنية والجيش اللبناني أن يكون موجودا لمنع اي اعتداء او حرق اي مؤسسة او حرق طرابلس».

 يريدون ان تبقى طرابلس صندوق بريد 

بدوره الشيخ أحمد المير احد شخصيات طرابلس الدينية وسجله في التبانة ويقيم في ابي سمراء، لفت الى ان الغليان الحالي هو نتاج سنوات مديدة من الفقر والاهمال والعوز بسبب غياب الخطط الانمائية والاقتصادية والتربوية... ملاحظا توقف العمل بالمنطقة الاقتصادية واهمال المعرض الدولي والمصفاة والمرفأ وما يمكن ان توفر هذه المرافق من فرص عمل للطرابلسيين.

وقال: يريدون ان تبقى طرابلس مهملة وفقيرة لانهم يريدونها ان تبقى صندوق بريد، ممنوع على طرابلس ان يشتغل فيها معرض رشيد كرامي الدولي وممنوع ان تعمل المصفاة او المنطقة الاقتصادية ممنوع على شبابنا أن يجدوا فرص عمل لأن السلطة تعتبر طرابلس محطة بريد، لايصال الرسائل، وأكيد ليس من اهلها لان اهل طرابلس اهل طيبة وكرم وشجاعة وبطولة ووطنية يوزع اهل طرابلس الوطنية على الجميع مع احترامي للجميع.

ويقول المير: إن لم توضع خطة انمائية اقتصادية توفر فرص عمل للشباب فعبثا نحاول...

ويتابع: الامر الآخر ندعو الامنيين للهدوء قليلا علينا الزعران كلهم يتصورون مع الامنيين لماذا لا نعلم... نحن عندنا علامات استفهام مع احترامنا للمؤسسات العسكرية والامنية التي نحترمها ونجلها وليس لدينا من بديل غيرها ولكن لدينا علامات استفهام ونحتاج الى اجوبة عليها.

23 جولة اقتتال نمنا استيقظنا فوجدناهم يتبادلون القبلات... ما هي الاسباب لا احد يعرف...

واضاف: قلت مرة ان رجالاً من الفضاء من المريخ نزلوا هم سبب اشعال طرابلس؟؟ في طرابلس عوز وفقر وانا اعرف 500 عائلة بالاسماء وارقام هواتفهم تحت خط الفقر.

لكن الشيخ المير يصل الى نتيجة وهي انه عيب ان يكون لطرابلس خمسة نواب سنة لا يجتمعون من اجل مصلحة البلد.

فيرى انه في حال جرى تفعيل المنطقة الاقتصادية فمن شأنها أن توفر فرص عمل للشباب... اما البلدية فبرأيه محسوبيات وكل عضو فيها يظن انه رئيس البلاد... ويأسف ان البلدية لم تنجح في مشروع واحد... بل خربوا سوق القمح وسقفوا النهر وكل ازعر لديه عشرون بسطة محمية...

ويختم المير: «طفح الكيل ولم نعد نحتمل هؤلاء الطغمة الفاسدة الحاكمة التي نهبت وخربت البلاد ونحن في طرابلس اكثر المتضررين».

ا