كلّما اقترب إنجاز الحلول، كلّما حاول المتضررون إفشالها. هذا ما يجري في لبنان اليوم، فالإيجابيات السياسية تنعكس «فوضى» أمنية، مرّة في الشمال عبر استغلال الفقر والجوع من قبل شخصيات وقوى إقليمية، ومرّة في الجنوب والضاحية عبر مسيّرات الجيش الإسرائيلي، وكل ذلك يأتي على وقع الأخبار الجيدة التي تأتي من داخل الحدود اللبنانية، وخارجها.

البداية من الشقّ الأمني وما حصل ليل الثلاثاء - الأربعاء، إذ حاولت إسرائيل استدراج المقاومة والجيش اللبناني إلى معركة، أو مواجهة محدودة، تُلقي بظلالها السوداء على الملف اللبناني الذي يُطبخ على نار هادئة، إذ تكشف مصادر مطّلعة أن العدو الإسرائيلي لا يزال في مرحلة قراءة مستقبل علاقته مع الرئيس الأميركي الجديد، ويحاول ممارسة استراتيجية «حافة الهاوية» مع حزب الله في لبنان، للتأثير على الأميركي، والفرنسي في آن واحد، إذ لا يناسب حكومة العدو الإنفتاح الفرنسي الكبير على الحزب، ولا عودة الأميركي إلى الإتفاق النووي الإيراني.

فهم حزب الله الرسالة الإسرائيلية وردّ بأحسن منها، فسيطر في الجنوب بداية الأسبوع على مسيّرة إسرائيلية، ليكون الرد الإسرائيلي في محاولة إستدراجه في الضاحية، فكانت «مسيرة» معوّض، التي حلّقت على علوّ منخفض الثلاثاء ليلاً، إلى جانب «غزو» المسيرات لسماء بيروت وخلدة والشويفات.

تشير المصادر إلى أن حزب الله يُدرك خطورة استهداف أي مسيرة فوق الضاحية لأن في ذلك خطراً على السكان والأبنية، ولكن في الجنوب يختلف الحال. وتؤكد المصادر أن حزب الله لا يعطي إسرائيل ما تريده، ولكنه لا ولن يتهاون مع تثبيت قواعد الردع.

إن هذه الأحداث الامنية في الضاحية، والجنوب، وقبلها في الشمال، تؤكد بحسب مصادر سياسية مطّلعة أن الإيجابيات حول تشكيل الحكومة تزيد عن السلبيات، وكل طرف يريد أن يُثبت وجوده، مشيرة إلى أن المبادرة الفرنسية عادت إلى الواجهة بشكل رسمي نهاية الأسبوع الماضي مع إتصال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برئيس الجمهورية ميشال عون، هي تُتابع بشكل يومي عبر مساعدي ماكرون الذي يجرون الإتصالات بالقوى اللبنانية لاستطلاع مواقفها ورؤيتها.

وتؤكد المصادر أن زيارة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري إلى القاهرة لا تخرج عن سياق المحاولات الفرنسية لوضع الحكومة على سكّة التأليف، بمساعدة دول وقوى غربية وعربية، وربما هذا ما يجعل للمبادرة حظوظها الأكبر هذه المرّة.

وتلفت المصادر إلى أن المساعي القائمة حالياً تكشف عن وجود بعض المتغيرات في شروط المبادرة الفرنسية، ربّما تجعلها أسهل للتنفيذ، الأمر الذي سيتبلور هذا الأسبوع، مشيرة إلى أن التركيز ينصب على تشكيلة من 18 وزيراً، يكون للفريق الشيعي والحزب القومي، وتيار المردة فيها 6 وزراء، وللتيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية والطاشناق 6 وزراء، ولتيار المستقبل والحزب الإشتراكي 6 وزراء، مع العلم هنا أن حزب الله أكد سابقاً للتيار الوطني الحر أن وزيريه سيكونان الى جانب التيار في أي ملف سياسي استراتيجي، وبالتالي يمكن لكل فريق أن يحظى بثلث معطّل بحسب الملفات المطروحة.

أما مشكلة الحقائب، فتشير المصادر إلى وجود أكثر من صيغة مطروحة، منها أن يتقاسم الحريري وعون الحقائب الأمنية، كالداخلية والعدل، على أن يتشاركا بتسمية الوزيرين لهما، أو أن تبقى الحقائب السيادية على نفس التقسيم القديم وتتم المداورة في الحقائب الأخرى، مشددة على أن الإدارة الفرنسية تجد أن الحل المنطقي هو تنازل كل طرف لملاقاة الطرف الآخر.

إذاً، عاد الحراك الفرنسي، وعاد التفاؤل باقتراب تشكيل الحكومة، ولكن هل تتخطى «حماقات» البعض في العبث بالأمن، الخطوط الحمراء؟