عاقل يفهم

يقول براين ترايسي في كتابه «القيادة» «ان القليل من الناس يولدون وهم قادة بالفطرة». فما الذي يحول الشخصية العادية الى شخصية قادرة على ان تلهم الآخرين لاتباعها والاقتداء بها.

ويقول اوليفر وندل هولمز: «ان هناك ثلاثة انواع من الناس، أناس يحققون الاهداف وينجزون المهام، أناس يشاهدون ما يحدث، وأناس ليس لديهم أدنى فكرة عما يحدث».

للإدارة مفاهيم مختلفة، بالرغم من اختلاف تلك المفاهيم، فإننا نجد اجماعاً لدى علماء الادارة والمفكرين باعتبارها الاداة الرئىسية لتحقيق الاهداف من خلال الجهد الجماعي وضمان النجاح لأي مؤسسة.

يعرّف فريدريك تايلور، الرائد الاول لمدرسة الادارة العلمية، الادارة بأنها «المعرفة الصحيحة لما يراد ان يقوم به الافراد، مع التأكد أنهم يفعلون ذلك بأحسن طرق وأقل كلفة». ويضيف هنري فايول: «ان معنى ان تدير، هو ان تتنبّأ وتخطط وتنظم وتصدر الاوامر وتنسق وتراقب وتقيّم».

اما كونتز فيعرّف الادارة كما يأتي: «ان الادارة هي وظيفة تنفيذ الاشياء عن طريق الاشخاص ويمكن ان تستخلص من ذلك ان الادارة هي النشاط الذي يتعلّق بحسن استعمال الموارد المادية والبشرية وانها تتطلب عدة مهارات فنيّة، فكرية وإنسانية عالية».

اذاً، اذا كنت تحمل لقب مدير وتتعامل مع نفسك على أنك قائد ربما لانك لا تعرف مدى الاختلاف بين الاثنين، ولا تدري ان كل منهما له طريقته الخاصة في تحفيز الموظفين وادارتهم وجعلهم شركاء في بناء المؤسسة التي يعملون بها وفي حثهم على الانتماء الكليّ لهذه المؤسسة والاخلاص لها. وهذا ما عبّر عنه ابراهيم ماسلو عندما تحدث عن التحفيز المادي والمعنوي للعامل في المؤسسة.

ببساطة، المدير هو الشخص الذي اكتسب خبرات عديدة بعد انخراطه في مجال العمل لعدة سنوات وتمكن من ملء الفجوة بين الادارة والعمل الفني على ارض الواقع. وهو ايضاً القادر على اتمام المهام اليومية في ميعادها المناسب وعلى تسيير العمل والمشاريع على اكمل وجه.

أما القائد فهو الشخص الذي يملك رؤية واضحة ويسعى الى تحقيقها مع الآخرين بعد ان أثّر بهم وألهمهم. هو الذي يعمل على تحقيق أهداف طويلة المدى للمؤسسة ويرشد الموظفين ويحفزهم لتحقيق التقدم والتطور المنشود معاً. القائد اذا هو الذي يصنع قيم وثقافة فريقه ليصبح مثلاً اعلى لهذا الفريق.

ان تكون قائداً ليس من الضروري ان تكون مديراً، فصفات القائد تنبع من داخلك وتظهر في تصرفاتك مع الآخرين، فأنت قادر على قيادة فريق من خلال فكرك العلمي المنهجي بعيداً عن المراكز والمناصب.

في الواقع لقد اسهمت الادارة الرشيقة عبر قادتها المبتكرين بشكل اساسي في حركة النمو الاقتصادي والحضاري الذي عرفه القرن العشرون وبداية القرن الواحد والعشرين، وكثر الحديث عن المعجزت التي حققتها بعض الدول على الصعيد الاقتصادي والانمائي والتي كان وراءها قادة فعليون مؤمنون بأوطانهم وبرسالتهم تجاه مجتمعاتهم. إننا اليوم ومع التطورات المذهلة التي حصلت وتحصل كل دقيقة، اصبحنا بأمس الحاجة الى قيادة متطورة وعصرية ومبتكرة لمواجهة التغيرات والتحديات على كافة المستويات الاقتصادية والصحية والبيئىة والعلمية والتربوية والمالية...

من هنا أدعو كل مسؤول مديراً كان او موظفاً أو عاملاً أو اجيراً ان يكون قائداً ملهماً من موقعه قادراً على احداث فرق للمصلحة العامة ولخير المجتمع.

كما أدعو حكامنا ان يكونوا اشخاصاً يبعثون على الثقة والاخلاص في نفوس الآخرين، ادعوهم ان يكونوا محرضين على عمل الخير والخدمة وعلى عيش المواطنة الحقيقية. اطلب منهم ان يغرسوا حب الوطن في عقل المواطن ويدفعوه الى التجدد والابتكار، كما عليهم كمسؤولين وقادة ان يتحلوا بنمط تفكير استراتيجي وان يضعوا صورة لبنان الحلم نصب اعينهم وان يسعوا الى تحويل المحن الى مِنح وفرص للتقدم.

ماذا لو امتثلوا بالشيخ زايد رائد الانماء والانفتاح في الامارات، والرئىس الماليزي ماهاتير محمد رائد التقدم ومكافحة الفساد، والمستشارة الالمانية ماريكل انجل رائدة التطور والابتكار في المانيا ومارتن لوثر كينغ قائد حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة...

في النهاية عليكم ان تكونوا قادة حكماء تصنعون تاريخ اوطانكم حتى ينصفكم التاريخ فيما بعد.

كن قائداً مبتكراً ولا تكون مديراً مُقيّداً!

ايلي يوسف العاقوري

في بيروت 8 شباط 2021