يتخبط العام الدراسي، منذُ بدايته، بين جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية. فمن جهة، فُرض التعليم عن بعد على الأساتذة والتلاميذ في حين أنهم كانوا غير مؤهلين لذلك. والأزمة الإقتصادية، من جهة ثانية، أعاقت على الأهل تسديد الأقساط وفرضت على إدارات المدارس محاربة الإنهيار. ولكن، بالرغم من هذه العوائق، مدارس عديدة استطاعت تفعيل التعليم عن بعد فيما مدارس أخرى لم تستطع بسبب عدم توافر الإمكانات. أشهر قليلة لانتهاء العام الدراسي، كم اكتسب التلاميذ من المنهج المطلوب؟ كيف يمكن إجراء الإمتحانات الرسمية؟ وماذا عن مستوى التعليم؟

يشير نقيب المعلمين في المدارس الخاصة رودولف عبود إلى أن «المدارس التّي اتّبعت التعليم عن بعد بشكل صحيح، وتلاميذها لم يواجهوا مشاكل تقنية، فالنسبة المكتسبة تشابه التعليم الحضوري. وإنما المدارس التي ترسل فقط المواد التعليمية للتلاميذ عبر تطبيق معين، فهذا لا يُعتبر تعليماً عن بعد ولا يمكننا تقييم كم اكتسبوا من المنهج».

من جهته، يشير الرئيس التنفيذي لـ «مجموعة غلوبال ليرننج» د. ميلاد السبعلي إلى أن «تقييم التعليم عن بعد ومدى إكتساب التلاميذ للمنهج يختلف بين مدرسة وأخرى خصوصاً في صدد غياب أي إستراتيجية ودعم من الوزارة للمدارس. إذ ان أكثر من 50 إلى 60 في المئة من المدارس الرسمية غير قادرة على تطبيق التعليم عن بعد وبالتالي لم تغطِ سوى نسبة قليلة من المنهج. فالخسارة التعليمية لهذا العام أو ما يُسمى بالـ «learning loss» تُقدّر بـ 70 في المئة. وبالتالي كمعدل هناك تغطية لـ 30 في المئة فقط من المنهج».

الامتحانات الرسمية لا مفرّ منها؟

بات واضحاً قرار وزير التربية عن إلحاحه على إجراء الامتحانات الرسمية وعدم ترفيع التلاميذ عشوئياً. وفي هذا السياق، يقول عبود ان من ناحية المنهج، سبق وحدد المركز التربوي الترتيب الزمني للمواد التعليمية، بطريقة توحد نمط التعليم لجميع المدارس. وتم تقليص من المنهج الأساسي نسبة ما بين 30 إلى 40 في المئة. ولكن بما أن تتفاوت مستويات كسب التلاميذ للمنهج المطلوب، كيف لهؤلاء الدخول إلى امتحانٍ موحد؟ من هذا المنطلق، من الضروري عودة التعليم الحضوري لكسب نسبة من المواد وعدم إلغاء الامتحانات الرسمية، ليحصل التلميذ على شهادة معترف بها عالمياً فضلاً من توزيع الإفادات عشوائياً.

ويشدد عبود على «أن الإفادة لا تقيّم التلميذ فهي فقط دليل أنه تابع التحصيل العلمي. وتوزيع الإفادات ينعكس سلباً على دخول التلاميذ إلى الجامعات، خصوصاً إذا كانوا يريدون الالتحاق بجامعات خارجية. كما أن الإفادة تمنع أي تلميذ من الإلتحاق بالكلية الحربية وغيرها من المجالات التي تتطلب شهادة رسمية ومعدل معين للدخول إليها».

حلول كثيرة والمطلوب واحد: إجراء الإمتحانات

من بين الحلول لإجراء هذه الإمتحانات الرسمية، يشير عبود إلى «إمكانية إعادة النظر بالمواد المطلوبة ومدة الإمتحان. كما تأخير موعد إجرائها إلى حين عودة التلاميذ إلى التعليم الحضوري. تطبيق الإمتحانات في 500 مركز بدلاً من 100. إستعانة القطاع العام بأساتذة القطاع الخاص بما يخصّ المراقبة». ولكن رغم كل هذا الإصرار، يؤكد د. السبعلي أن القرار النهائي لا يمكن أن يُتّخذ قبل أيار بما أن سلالات كورونا تتجدد ولا شيء مضمون على مستوى الوضع الصحي.

التقييم «لوتو»؟

بالنسبة إلى عدم ترفيع التلاميذ عشوائياً، يقول د. السبعلي: إذا تفتقر بعض المدراس الى «الداتا» التّي تحتوي على علامات الامتحانات والفروض، تقييم مدى مشاركة التلميذ في الصف، والجهد الذّي يبذله... فعلى أي أساس ينجح أو يرسب التلميذ؟

بدوره، يؤكد عبود أن معايير التعليم عن بعد لا تزال غير واضحة. ويسأل عما إذا كان وجود التلميذ فقط أمام جهازه وحضوره للإجابة عن سؤال معين، عاملاً كافياً لنجاح التلميذ عامه الدراسي. ومن هنا، يكرر عبود أهمية إجراء الإمتحانات الرسمية.

مستوى التعليم: عشر سنوات للعودة إلى ما قبل كورونا!

يشير د. السبعلي إلى دراسة اليونيسكو التّي قدرت فترة خمس سنوات لتعويض الخسائر التعليمية في دول العالم، إذا وُجدت خطة وإذا انتهت الجائحة خلال هذه السنة الدراسية. وقدّرت عشر سنوات في حال عدم وجود خطّة. أما بالنسبة لمعدل الدول العربية، إذا لم تقم الوزارات بإجراءات إستثنائية على صعيد القطاع التربوي، فإن العودة إلى مستوى ما قبل الجائحة سيتطلب ثماني إلى عشر سنوات. أمّا الوصول للمعدل العالمي فسيحتاج إلى ما لا يقل عن 15 سنة.

ويختم د. السبعلي مشيراً إلى أن «لبنان يتمتع بخبرات متميزة قادرة على تطوير منهج معاصر يتضمن محتوى إلكتروني تفاعلي. كما أن هكذا مشروع لديه تمويل لم يُستخدم بعد. لذا، العناصر لتطوير المنظومة التربوية في لبنان موجودة ولكن ينقصها قرار وخطة».

ربما إجراء الإمتحانات الرسمية هو حاجة للتلاميذ لينالوا شهادة رسمية، كما أنه يجب ألا يتم ترفيع التلاميذ عشوائياً. ولكن من شروط التقييم هي المساواة بفرص التعليم للتلاميذ كافة. وبالتالي بما أن عامل المساواة مفقود، تبقى عملية التقييم الفعّالة «معجزة». أمّا بشأن عودة المستوى التعليمي إلى ما كان عليه، فهل مَن يعي من المسؤولين أهمية اتخاذ القرار ووضع خطّة؟