كل الانظار تترقب زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى الرياض، كون هذه الزيارة ستشكل منعطفا اساسيا على مستوى المنطقة، خاصة في ظل الانفتاح الخليجي على ماكرون، وكأن هنالك نوعاً من انقلاب في الادوار، اذ ان التعويل الخليجي كان في زمن دونالد ترامب على الولايات المتحدة. اما اليوم فباتت دول الخليج تعول على فرنسا. وفي هذا الاطار، قالت مصادر مطلعة للديار ان تحولاً كبيراً حصل، فقد تحول ماكرون الى ترامب للدول العربية وتحديدا الخليجية والرئيس الاميركي جو بايدن تحول الى ماكرون في القيام بالادوار على الساحة السياسية في المنطقة. ذلك ان المصالح هي المحرك الاساسي للدول في ظل وعود استثمارات سعودية واسعة في فرنسا، وهذا ما سيجعل الموقف الفرنسي اكثر تشددا لجهة الدور السعودي المتوازي مع الدور الايراني. وتابعت هذه المصادر المطلعة ان فرنسا ستتمسك بأن تكون الرياض على طاولة المفاوضات الدولية النووية مع ايران، وهذا الموقف واجهته طهران برفض صريح. في الوقت ذاته، اوضحت هذه المصادر ان واشنطن لن تتخلى عن المملكة العربية السعودية بل ستظل حليفة لها، وأكبر دليل هو موقف وزير الخارجية الاميركي الذي ندد بقيام الحوثيين باستهداف مطار أبها في السعودية، وقال بشكل واضح ان اميركا لن تسمح بالاعتداء على حلفائها في المنطقة، مشددا على التحالف الاستراتيجي بين واشنطن والرياض.

وعليه، اليوم تبعا لما سيحصل من تطورات بين العلاقة الفرنسية - السعودية، سيكون لبنان الساحة التي ستظهر نتائج هذه العلاقة وتداعياتها.

وفي نطاق متصل، الرئيس الحريري من خلال جولته الخارجية، وخاصة الى مصر وفرنسا ومن خلال بياناته المتكررة استنكارا وادانة للاعتداءات الحوثية على السعودية، يحاول فتح الباب لزيارة له للملكة العربية السعودية. وهنا، كل الاحتمالات مطروحة، فقد تتم هذه الزيارة وقد لا تتم ايضا. وبموازاة ذلك هناك سعي مصري وفرنسي لفتح الابواب للحريري الى الرياض بما ان هذه الابواب اصبحت مغلقة لفترة طويلة امامه.

واذا نجحت المساعي المصرية في ترطيب الاجواء بين الحريري والسعودية، هل سيتمكن الرئيس المكلف من اقناع السعودية بدعم حكومته وبمساندة فرنسا ومصر؟

ذلك ان الحريري، وإن زار السعودية كتعويض معنوي هو بأمس الحاجة اليه، لا يبدو ان الاخيرة ستبدل موقفها تجاه لبنان. وهذا لن يساعد لبنان في ازمته المالية، خاصة انه بحاجة الى مساعدة مالية فورية لانقاذه من الانهيار الكامل، والدول الاوروبية لن تؤمن هذا المبلغ دون اصلاحات حقيقية، بل وحدها الدول الخليجية القادرة على توفير مليارات دولار لاعادة التوازن على الصعيد المالي والاقتصادي. وتعقيبا على ذلك، السعودية ودول خليجية اخرى لا تعتزم تقديم المساعدات للبنان ما دامت تعتبره منصة عدائية لها وفقا للرياض ودول عربية اخرى.

ويشار الى ان موقف الوزير القطري واضح ان لا مساعدات للبنان قبل تشكيل حكومة وتطبيق رزمة الاصلاحات. اما الجانب الفرنسي، فصحيح ان الرئيس ماكرون يسعى جاهدا ان يقايض الموقف السعودي عبر وضع الرياض على طاولة المفاوضات الدولية مع ايران، ولكن في المقابل فرنسا بحاجة للاستثمارات السعودية، ولذلك لن تتمكن من الطلب اكثر من ذلك اذا كانت الرياض متمسكة بموقفها تجاه لبنان.

وتوازيا، تسعى فرنسا ومصر الى تسويق استراتيجية ترتكز على معادلة واضحة المعالم بأن الاولوية لدى باريس والقاهرة بأن لا ينتقل الواقع في لبنان من الانهيار الى الانفجار. ولذلك المساعي مستمرة للحؤول دون تدهور الامور اكثر. وعليه، هذه المعطيات والاجواء لا تشجع الحريري على تشكيل حكومة بما انه على علم مسبق بموقف الرياض، ولا يريد المغامرة بحكومة لن تحظى بمساعدات مالية سعودية، ولا يحظى ايضا هو بدعم معنوي من الرياض.

 الخلافات مستمرة بين الرئاستين الاولى والثالثة 

داخليا، الامور مكشوفة، ولم يعد أي شيء مخفياً ذلك ان هنالك «بلوك» سياسي داخلي لم يتزحزح حتى الان، ولم تنجح الجهود الفرنسية الاخيرة في تغييرها، رغم ما ذكر من جرعات دولية مساندة للمبادرة الفرنسية.

وفي مستهل الكلام، اللقاء بين الرئيس المكلف سعد الحريري ورئيس الجمهورية ميشال عون كان يجب ان يفتح ثغرة في الجدار ويرطب الاجواء، انما كانت الاجواء عكس ذلك. والحال ان بيان قصر بعبدا كرس الجمود الحكومي حتى اشعار اخر وزاد الطين بلة من خلال العبارات المستخدمة فيه، والتي تبعث على الاعتقاد بان الازمة الحكومية مرشحة للاستمرار في المدى المنظور. وفي هذا المجال، قالت مصادر وزارية للديار انه صحيح ان المحاولات ستستمر، ولكن المقترحات تكاد تكون مستنفدة بما ان كل طرف متمسك بمواقفه وشروطه، لا بل ان الاجواء الملبدة بين عون والحريري تدل الى ان كل واحد منهما لا يريد التعاون مع الاخر ولا يريد ان يتساهل في ما يسمى الثوابت التي رسمها كل من الطرفين في شأن التشكيلة الحكومية. واضافت انه بات واضحا ان النقطتين الخلافيتين الاساسيتين هما الثلث المعطل وخلاف على تصنيف الوزير اللاحزبي، عدا الخلاف على العدل والداخلية الذي قيل ان باريس مستعدة للمساعدة في معالجة هذا الموضوع. واعربت هذه المصادر عن خشيتها ان يكون السبب الاساسي هو القطيعة بين الحريري ورئيس كتلة لبنان القوي النائب جبران باسيل، وهي التي تعرقل ولادة الحكومة والتي من الصعب جدا معالجتها في هذه الاجواء المتشجنة جداً.

من جهة اخرى، تؤكد اوساط واسعة الاطلاع في «الثنائي الشيعي» لـ «الديار» ان اللقاء بمجرد حصوله، ولو كان بروتوكولياً، فإنه يؤكد ان لا بديل عن التفاهم بين عون والحريري لولادة الحكومة. وتكشف الاوساط ان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون أكد للحريري انه يريده رئيساً اصيلاً للحكومة، وكذلك تشاركه عواصم كبيرة دولية واقليمية وخليجية هذا الشعور. وهذه العملية لن تتم بنجاح الا بتلاقي بعبدا وبيت الوسط.

وتقول هذه الاوساط ان الامور انطلقت، والضوء الاخضر للتشكيل انطلق فرنسياً واميركياً وبغطاء اقليمي وعربي، بينما توافق ايران وعلى عكس ما تتهم وحزب الله على ما توافق عليه حارة حريك، وان حزب الله يريد الحكومة ويسعى اليها ومتضرر مثل العهد والحريري والبلد والاقتصاد من تعثر التشكيل.

وتتوقع الاوساط ان يزور الحريري بعبدا مجدداً مطلع الاسبوع المقبل، كما تكشف ان زيارة الحريري الهادئة امس الى بعبدا، تؤشر الى ان خطابه في ذكرى اغتيال والده الـ 16 لن يكون تصعيدياً، وأن التهدئة ستحكم العلاقة بين عون والحريري من الآن وصاعداً.

 اوساط مقربة من حزب الله للديار : نعول على القضاء في محاربة الفساد

اوضحت اوساط سياسية مقربة من حزب الله ان المقاومة في مكافحتها للفساد تعول على القضاء، وقد تقدمت بعدة ملفات وإخبارات انما حتى اللحظة لم يصل القضاء الى نتيجة. واعتبرت ان القضاء على غرار لبنان يمر ايضا بأزمة بما انه جزء لا يتجزأ من مؤسسات الدولة.

وحول العلاقة مع التيار الوطني الحر، اشادت هذه الاوساط بالعلاقة الجيدة والوطيدة بين حزب الله والوطني الحر.

وحول المعلومات التي تتكلم عن محاولة ماكرون اشراك السعودية في المفاوضات الدولية مع ايران حول ملفها النووي، قالت المصادر المقربة من حزب الله انه من المبكر التعليق على هذا الموضوع بما ان المفاضوات لم تبدأ بعد. واضافت ان الاتفاق حصل بين الولايات المتحدة وبين الجمهورية الاسلامية الايرانية، مشيرة الى ان هناك دولاً تستفيد منه ودولاً تتضرر منه، واذا استؤنفت المفاوضات ستكون لذلك انعكاسات على المنطقة في المدى البعيد.

 التيار الوطني الحر : تشكيل لجان لدراسة اتفاق مار مخايل 

كشفت اوساط التيار الوطني الحر انه تم تشكيل لجان من الجهتين بين حزب الله والوطني الحر لبحث اسباب عدم تطبيق كل مندرجات اتفاق مار مخائيل والذهاب الى تطبيقه بشكل كامل.

من جهة اخرى، وعن بيان رئاسة الجمهورية الذي ذكر ان الرئيس المكلف سعد الحريري اتى بطلب منه الى قصر بعبدا، اوضحت اوساط الوطني الحر انه من الطبيعي ان يتضمن البيان ذلك لان قصر بعبدا قال ان ابوابه مفتوحة للجميع، وهو توصيف لا اكثر وليس استقواء ولا عرض عضلات، ويندرج في اطار حسم اي تحليل من قبل اي جهة سياسية او اعلامية. واضافت انه من واجب رئاسة الجمهورية مصارحة الرأي العام بأن الحريري لم يأت بأي فكرة او طرح جديد، وبعبارات اخرى ان طرح الحريري قبل الجولة العربية والفرنسية هو ذاته ما بعد جولة الحريري العربية والفرنسية.

اما من يتهم رئاسة الجمهورية بالتعطيل، فرأت اوساط التيار الوطني الحر ان هذا الاتهام يجب ان يوجه للرئيس المكلف المتمسك بإقصاء فريق مسيحي قوي على غرار التيار الوطني الحر والعودة الى ما قبل 2005، اي تحكم الحريرية بزمام السلطة.

 القوات اللبنانية : اربعة اشهر على تسمية الحريري ولا حكومة لليوم ولا من يحزنون 

بدورها، قالت مصادر في القوات اللبنانية للديار ان هذا الفريق الحاكم لا يمكن التعاون معه، وتبين ان القوات كانت على حق. وخير دليل على ذلك ان الرئيس سعد الحريري كلف في 22 تشرين الاول، وها نحن اليوم في 13 شباط ولا حكومة ولا من يحزنون. ووصفت قصة التأليف بقصة ابريق الزيت، مشيرة الى الخلاف حول الثلث المعطل، والخلاف حول وزارة الداخلية والعدل والى ما هنالك من تفاصيل، بينما الشعب اللبناني يجوع ويفقر والامور تذهب الى مزيد من التدهور. وتساءلت المصادر القواتية : هل يعقل انه في وقت يعيش لبنان اسوأ ازماته نرى اهل السلطة لا يأخذون بالاعتبار هذا الواقع المزري والمأسوي؟

وشددت مصادر القوات اللبنانية على ان الواقع يستدعي تأليفاً سريعاً وقياسياً لحكومة خلافا لما يحصل اليوم، مشيرة الى ان لا تأليف للحكومة المرتقبة للأسف قبل ان يتمكن كل فريق من ان يلوي ذراع الاخر. وأضافت ان فريقاً يطالب بحكومة مؤلفة من عشرين وزيرا وفريقاً آخر يتمسك بحكومة من 18 وزيرا. هذا يريد وزارة الداخلية وذلك يريد وزارة العدل. هذا يريد الثلث المعطل وذاك لا يريد منحه هذا الثلث. وبين هذا وذاك، يعيش اللبناني ازمة معيشية واجتماعية قاهرة، ولا يأبهون لمطالب اي فريق سياسي، بل جل ما يريدون حكومة قادرة على وقف الانهيار واخراج لبنان من القعر. وعليه، رأت المصادر القواتية ان لا حل للخروج من هذه الدوامة، واشارت الى ان القوات نصحت الرئيس المكلف، ونكررها اليوم بالاعتذار عن التكليف، وليترك هذا الفريق يتدبر شؤون البلد بنفسه.

وردا على من يقول ان اعتذار الحريري سيزيد الطين بلة وان الوضع سيسوء بشكل اكبر، قالت مصادر القوات اللبنانية ان الامور يجب ان تقارب بخطوات كبرى ومواقف جريئة لان الاستمرار في هذه المرواحة ادى ويؤدي الى مزيد من التدهور.

وعلى صعيد الحالة المعيشية والاجتماعية والمالية، اعربت القوات اللبنانية عن خشيتها من مزيد من تدهور اوضاع اللبنانيين، ولا حل مع هذا الفريق لان التجربة اثبتت ان لبنان غير قادر على الخروج من ازمته المستعصية في ظل الاكثرية الحاكمة، سواء تألفت الحكومة أم لم تتألف، وسيظل الوضع سيئاً ما دام فريق السلطة ممسكاً بزمام الامور.

 الحزب التقدمي الاشتراكي : عدم تأليف الحكومة يزيد من التدهور والترهل المؤسساتي

بدوره، رأى امين سر الحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر ان عدم تشكيل الحكومة سيأتي بتداعيات خطرة على لبنان، منها التردي بشكل كبير على المستوى المالي والاقتصادي والمعيشي، اضافة الى المزيد من الترهل في كل مؤسسات الدولة والمزيد من التفلت الامني.

واشار الى ان التعطيل في تأليف الحكومة يعود الى أسباب داخلية وخارجية، لانه من غير الواضح في الافق ما ستحمله المرحلة السياسية المقبلة على مستوى المنطقة، لافتا الى ان لبنان ليس اولوية عند الولايات المتحدة ولا حتى لدى اي دولة اخرى. واعرب ظافر عن اسفه لوجود مسؤولين غير مؤهلين لادارة شؤون البلد ولإنجاز اتفاق بمعزل عن الظروف الاقليمية.

وتابع : ان عدم تشكيل الحكومة هو سبب تعنت البعض وتمسكه بشرط الثلث المعطل، لان الهدف من ذلك الإمساك بقرار الحكومة في المرحلة المقبلة في حال لم تتم الانتخابات الرئاسية المقبلة.

 لبنان تحت الفصل السابع :هل هو طرح واقعي؟ 

الى ذلك، تندرج الدعوات بوضع لبنان تحت الفصل السابع في خانة الدعوات غير الواقعية والتي لا تستند الى أجواء اقليمية ودولية ولا داخلية، وفي حال حصل، فإن ذلك سيؤدي الى «اشعال» البلد والمنطقة بأسرها. فمن مصلحته احراق لبنان ؟ هذا المطلب مستحيل لان التوازنات الاقليمية والداخلية لا تمهد الى هذا الاطار، كما ان التدويل للازمة اللبنانية غير قابل للتنفيذ لان الجو الداخلي لا يتلاءم مع هذه الدعوات التي اتت في اطار الضغوط لا اكثر.

من جهتها، شددت مصادر التيار الوطني الحر للديار على رفضها التام لطرح فكرة وضع لبنان تحت الفصل السابع، واصفة هذا الطرح بالمشبوه، واعتبرت ان السياديين والوطنيين يجب ان يجدوا الحل داخليا وليس عبر اتفاق يفرضه الخارج. ولفتت الى ان اتفاق الطائف واتفاق الدوحة الذي فرضته جهات خارجية لم يأتيا بأي فائدة على لبنان، لذلك الحلول الداخلية هي الاكثر ملاءمة للوضع السياسي اللبناني.

وفي السياق نفسه، رأت اوساط مسيحية للديار ان المسألة المتعلقة بالقرارات الدولية ووضع لبنان تحت الفصل السابع هي مجرد طروحات سياسية غير قابلة للتطبيق، ذلك ان قرار 1559 لم يضع تحت الفصل السابع وكذلك المحكمة الدولية، وقد رأى اللبنانيون ما وصلت اليه من نتائج في التحقيق. انطلاقا من ذلك، اعتبرت الاوساط المسيحية ان المجتمع الدولي ليس في صدد تطبيق ذلك على الدولة اللبنانية، وان القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية اللبنانية لا تطبق بدءاً من اتفاق الطائف وصولا الى القرار 1701 مرورا بالقرار 1559. وبالتالي الجميع يدرك ان المسألة اللبنانية لا تتعلق بقرارات دولية. اما دعوة البطريرك الراعي الى مؤتمر دولي فهدفه حفظ حق لبنان في المرحلة المقبلة لان البطريركية المارونية على معرفة بما يحصل في الكواليس لناحية ان المنطقة مقبلة على مفاوضات وتسويات، وبالتالي هناك مخاوف بطريركية من حصول تسويات على حساب لبنان. والحال انه في ظل المقايضات بين الدول يمكن ان يكون لبنان ساحة ترضية لهذا الفريق او ذاك، وبالتالي موقف البطريرك الراعي وطني بامتياز وهو يدعو المجتمع الدولي لعدم التفريط بلبنان وبشعبه. ويشار الى ان البطريرك الراعي تلقى جرعة دعم من الفاتيكان بضرورة منع ضرب الوجود المسيحي فيه.

في المقابل، قالت اوساط سياسية ان الدعوات لوضع لبنان تحت الفصل السابع نابعة من اليأس والاحباط الذي وصل اليه البعض من الطبقة الحاكمة والمسؤولين اللبنانيين الذين لم يظهروا أي وطنية وأي ضمير حي تجاه شعبهم ووطنهم. ولذلك لجؤوا الى حل دولي ربما يأتي بالخير على لبنان.