لك أن تتخيل نفسك على نافذة قطار متجه من طرابلس إلى بيروت دون المرور عبر تجمعات المياه على الدورة شتاءً، أو أن تركن سيارتك الخاصة في ساحة صور وتتجه إلى بيروت دون أن تقلق من زحمة السير المتوقعة، تخيل أيضاً أن تتوجه لمنزل أهلك في البقاع نهاية أسبوع عمل متعب دون الإنتظار في موقف الفانات لساعات طويلة تتضاعف مدتها على نقطة ضهر البيدر خصوصاً في أيام الثلج!!

مؤلم هذا الكم من الاهمال، و مؤلم ألا يستطيع هذا البلد الصغير إمتلاك شبكة نقل عام تغطي كافة مناطقه خاصةً أن مساحة لبنان تعد صغرى مقارنةً بدول أخرى تمتلك شبكة ضخمة من وسائل النقل الحديثة والتي تغطي صحاري وجبال وسهول ووديان وعرة. فأين العقبات والعوائق التي تؤخر هكذا مشروع حيوي ومرفق لا يمكن اهماله خصوصاً أن لبنان يعتمد على السياحة لإنعاش اقتصاده؟

فلندع السياحة جانباً، أليس من حقنا كمواطنين أن نتمتع بوسائل نقل مريحة وفعالة من أجل إنتاجية أكبر وطرقات أكثر سلامة؟

أليس من حقنا كمواطنين أن نسائل الدولة عما فعلته تجاه الحفاظ على جزء من تراثنا المتمثل بشبكة سكك حديدية كانت يوماً تغطي مساحة الوطن؟

خط ربط طرابلس بباريس... وأكبر معمل لسبك المعادن كان في رياق الزحلاوية!

عام ١٨٩٥ إنطلق أول قطار بخاري سويسري الصنع من بيروت إلى دمشق مروراً برياق بعد أن منحت السلطات العثمانية الاذن لإحدى الشركات الفرنسية الخاصة لإطلاق أول خط سكة حديد في "جبل لبنان" آنذاك.

يومها تم ربط بيروت برياق زحله مروراً باللبوة، حدث بعلبك، القاع، حمص، وصولاً إلى حلب. بعدها عام 1911 قام أهل طرابلس ببناء سكة حديدية على نفقتهم الخاصة ووصل القطار حينها إلى حلب أيضاً مروراً بحمص ومنها إلى باريس الفرنسية عبر سلسلة من المحطات الأوروبية، كما تميز "خط الحجاز" الذي كان ينقل الحجاج إلى الأراضي المقدسة. عام ١٩٤٢ أثناء الحرب العالمية الثانية قام الجيش النيوزيلندي ببناء خط يربط بيروت بحيفا بينما، قام الجيش الأسترالي ببناء خط يربط بيروت بطرابلس ليصبح بعدها واحد من أكبر الخطوط وأخر ما تم بناؤه

كما أن محطة رياق التي تأسست عام ١٨٩٨ كانت من أكبر محطات القطارات في المشرق العربي بمساحة ١٧٠ ألف متر مربع ضم بجانب عشرات مباني نقل البضائع والركاب، أكبر معمل لسابك المعادن وتصنيع العربات وقطع غيارها، كما أن الفرنسيين صنعوا طائرات في هذا المعمل وأول شركات كهرباء في لبنان كانت في مدينة رياق.

تأميمٌ وحربٌ أهلية قضيا على إرث مادي ومعنوي هائل

بعد العام ١٩٤٣ انتقلت إدارة مصلحة سكك الحديد إلى السلطات اللبنانية، ومن ثم تم تأميمها عام ١٩٦١ حيث انشئت مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك لبيروت وضواحيها وعهدت اليها ادارة واستثمار ٣ خطوط حديدية أساسية.

أثناء المحاولات لتطوير القطاع، أتت الحرب الأهلية على ما تبقى منه خصوصاً وأنه عانى من مشاكل سوء إدارة سابقاً حيث تم وقف العمل به جزئياً من العام ١٩٧٥حتى العام ١٩٩٠.

بعيد انتهاء الحرب الأهلية حاولت الدولة تسيير رحلات مجدداً عبر القطار على مختلف الخطوط لإظهار اللحمة الوطنية، ولكن لم تنجح وأخر رحلة كانت بين بيروت وشكا عام ١٩٩٤.

في زمن السلم لم يختلف الأمر كثيراً، حيث أن موظفي مؤسسة السكك الحديدية والنقل المشترك ما زالوا يتلقون رواتبهم حتى يومنا هذا دون أن تولي الدولة أهمية لإعادة إحياء هذا القطاع بعد سنوات طويلة من إنتهاء الحرب وتوفر العديد من الفرص التي كان يمكن استغلالها لتطوير مرفق عام تضاهي أهميته أي مرفق عام أخر، إقتصادياً، وتجارياً، وكجزء لا يتجزأ من البنى التحتية التي تبني عليها الدولة كافة خططها الاستثمارية والتنموية وعليه تؤسس الاقتصادات الكبرى كما هو الحال في الهند التي تعتمد كلياً على شبكة سكك حديدية تغطي كافة البلاد.

مرفأ لبنان ومرفأ حيفا على منافسة منذ ١٨٩٥

يومها كان الفرنسيون في لبنان والانكليز في فلسطين على تنافس، ففي حين بنى الفرنسيون خط بيروت الشام، سعى الانكليز إلى مد خط من حيفا إلى الشام مروراً بمدينة صيدا اللبنانية. هذا التنافس تحول بمرور الزمن مع دخول الصهاينة إلى فلسطين وسعيهم الحثيث إلى تطبيق أفكارهم التوسعية في المنطقة.

عام ٢٠٠٠ قامت دول الخليج بربط بعضها البعض بشبكة سكك حديدية (تجارية وللركاب) وكان هناك نية بالتوسع من هذه الخطوط نحو سوريا ثم إلى بيروت لبنان وبذلك يصبح لبلاد الخليج منفذ بحري على المتوسط عبر مرفأ بيروت، خصوصاً أن السكة القديمة كانت متصلة بالمرفأ المرحلة الأولى حيث كانت تنطلق من محطة مار مخايل مباشرةً إلى نقطة المرفأ الذي كان يوجد به محطة ركاب ومسافرين أتى عليها الانفجار بشكل تام.

المشروع لم يكتمل وحظوظه باتت شبه معدومة خصوصاً بعد إنفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب العام المنصرم ومع إزدياد عدد الدول الخليجية التي تقوم بتوقيع معاهدات سلام مع الكيان الصهيوني، ليصبح بذلك العدو قادراً أكثر من أي وقت مضى على ربط دول الخليج بمرفأ حيفا مروراً بالأردن.

للإحاطة بملف تاريخ القطارات والسكك الحديدية في لبنان سوف نستضيف في الجزء الثاني من التحقيق المصور الفوتوغرافي والباحث اللامع السيد إدي شويري الذي وثق تاريخ وإرث لبنان في صوره الأسطورية وكتبه الملأى بالنوستالجيا للماضي الذهبي.