وزيــــارات الحريري الخارجية «تيتي تيتي»...

اشتدّت الأزمة اللبنانية ولم تنفرج بعد، حتى مع عودة الرئيس المكلّف سعد الحريري الى لبنان بعد زياراته الخارجية الأخيرة ولا سيما زيارتيه المعلنتين الى كلّ من القاهرة وباريس ولقائه الرئيسين المصري عبد الفتّاح السيسي والفرنسي إيمانويل ماكرون. فقد قام بعد وصوله بزيارة رئيس الجمهورية ميشال عون في قصر بعبدا، مؤكّداً بعد اللقاء بأنّه «لا تقدّم على صعيد تشكيل الحكومة»، مشيراً بالأصبع الى المشكلة التي تعيق التشكيل ضمناً بالقول إنّه «لا يُمكن تنفيذ خارطة الطريق التي وضعها الرئيس ماكرون وجرت الموافقة عليها في قصر الصنوبر لإنقاذ لبنان ووقف التدهور وإعادة إعمار مرفأ بيروت، ما دام ليس هناك حتى اليوم حكومة من الإختصاصيين غير التابعين لأحزاب سياسية»، ونقطة عالسطر.

موقف الرئيس الحريري الذي أعاد التأكيد عليه من قصر بعبدا خلال اللقاء الخامس عشر الذي جمعه بالرئيس عون بأنّه «واضح وثابت وهو حكومة من 18 وزيراً لا أحد يملك فيها الثلث المعطّل وكلّ وزرائها إختصاصيّون، وهذا لن يتغيّر لديّ»، تصفه مصادر سياسية عليمة بأنّه يعني باختصار قطع الطريق أمام تدخّل الأحزاب السياسية في تشكيل الحكومة وفي ضمّ سياسيين حزبيين اليها، فضلاً عن رفض إعطاء «الثلث الضامن أو المعطّل» للفريق الرئاسي. وهذا الموقف الذي يصرّ عليه الحريري لا يجترحه من تلقاء نفسه، بل جاءه على لسان الرئيسين الفرنسي والمصري اللذين يُوافقان الولايات المتحدة الأميركية على سياستها،، كما السعودية والدول الخليجية على مواقفها التي تقضي بضرورة تشكيل حكومة من الإختصاصيين لا تتحكّم فيها الأحزاب السياسية، ولا سيما «حزب الله» والفريق الرئاسي.

فما يهمّ هذه الدول هو إضعاف «حزب الله» سياسياً، بحسب رأيها، كما الفريق السياسي كونه يدعم الحزب، وإن حصلت بعض التباينات في مواقف الطرفين في الفترة الأخيرة. وهو أمر جليّ وواضح كون الإدارة الأميركية تُشدّد عليه، وإلاّ لما فرضت عقوباتها الإقتصادية على «حزب الله» وحلفائه في لبنان من جميع الأحزاب (أي حركة أمل، تيّار المردة والتيّار الوطني الحرّ). علماً بأنّ الكلمة المرتقبة لأمين عام «حزب الله» يوم الثلاثاء المقبل في 16 شباط الجاري ستُحدّد موقف الحزب من المواقف الخارجية المعارضة لوجود الحزب في الحكومة، ومسار المرحلة المقبلة.

أمّا تخطّي الحريري للفيديو المسرّب في قصر بعبدا وقيامه بهذه الزيارة للرئيس عون، فلا تجد فيه المصادر نفسها، أي تنازل من قبل الحريري، كون الإجتماع لم يكن «لقاء مصارحة ومصالحة» بينهما، على ما كان يؤمل، إنّما هدف فقط الى «إيصال رسالة خارجية» مفادها استمرار دعم تكليف الحريري من جهة، وشرط تشكيل حكومة من الإختصاصيين المستقلّين، غير التابعين للأحزاب للحصول على مساعدة ودعم المجتمع الدولي، رغم أنّ الحريري أشار الى استكمال التشاور مع عون. ولكنّها تساءلت، في الوقت نفسه، لماذا يتمسّك الحريري بحكومة من 18 وزيراً ما دام يريدها من الإختصاصيين، فما الذي يمنعه من قبول حكومة من 20 وزيراً من الإختصاصيين تضمّ الكاثوليكي والدرزي أيضاً، أو من 22 وزيراً أو أكثر، طالما أنّه يعلم بأنّ الرئيس عون لا يريد الثلث المعطّل؟ بالطبع فقدان الثقة، وعدم وجود نيّة فعليه لديه للعمل بشكل مناسب من خلال إعطاء حقيبة واحدة لكلّ وزير.

واكّدت بأنّ زيارات الحريري الخارجية لكلّ من القاهرة وباريس (والإمارات ربما كونه لم يتمّ الإعلان عنها) جاءت بنتيجة سلبية بالنسبة لتسريع تشكيل الحكومة كونها لم تحمل جديداً بل على نحو «تيتي تيتي متل ما رحتي متل ما جيتي» إذ أعادت التأكيد على موقف الحريري الذي لم ولن يتغيّر، كونه مدعوماً من دول الخارج، حتى ولو بقي العمر المتبقّي من عهد الرئيس عون في ظلّ حكومة الرئيس حسّان دياب المستقيلة التي هي بحكم تصريف الأعمال. فقد لفت الحريري الى أنّه شرح للرئيس عون «الفرصة الذهبية (أي المبادرة الفرنسية وخارطة الطريق للحصول على مساعدات المجتمع الدولي) التي نحن فيها، وكلّ فريق يتحمّل مسؤولية مواقفه منذ الآن وصاعداً».

غير أنّ المأزق الذي قد يجد الحريري نفسه فيه، على ما ألمحت، هو تمكّن الرئيس ماكرون خلال زيارته المتوقّعة الى كلّ من السعودية والإمارات خلال الأسبوع المقبل ما بين 19 و21 شباط الجاري، من إقناع دول الخليج والدول الخارجية الداعمة لها بضرورة تغيير موقفها من نوع أو حجم الحكومة بهدف تسهيل التشكيل. ولهذا تتجه الأنظار نحو هذه الزيارة ونتائجها لحلحلة مسألة التاليف في الداخل اللبناني، رغم أنّ المصادر لا تتوقّع أن تغيّر هذه الدول موقفها من عدم تمثيل «حزب الله» في الحكومة، أو على الأقل «تحجيم دوره» فيها لكي لا يبقى مسيطراً على أدائها السياسي، بحسب وجهة نظرها، وإلاّ لكان حمل الحريري من الخارج بصيص أمل في هذا الإتجاه.

وشدّدت على أنّ التشنّج الداخلي سوف يزداد أكثر لا سيما مع الموقف الذي سيُعلنه الحريري في الذكرى الـ 16 لاغتيال والده رفيق الحريري اليوم الأحد، خصوصاً وأنّه سيُحمّل الفريق الآخر مسؤولية التعطيل وتفويت «الفرصة الذهبية»، كما سمّاها على لبنان. فقد سبق ولفت الى أنّ كلّ شيء جاهز، أي خارطة الطريق والمشروع الذي على حكومة الإنقاذ تحقيقه، ما عدا موافقة الفريق الرئاسي على حكومته المقترحة. وتخلص للقول بأنّ كلّ المعطيات تشير حتى الآن بأنّ لبنان لا يزال على لائحة انتظار التسويات الدولية والإقليمية رغم وجود المبادرة الفرنسية، والمبادرة القطرية المستجدّة.