اذا كنا أمام دولة ميتة (جثة بكل المعايير). واذا كنا أمام شعب ميت (ركام بكل المعايير). واذا كانت الثورة مستحيلة لأن نجوم الزبائنية, ونجوم التبعية, هم نجوم الشوارع...

واذا كانت تجربتنا مع الوجود السوري أكثر من أن تكون مريرة. واذا كانت تجربتنا مع الاحتلال الاسرائيلي أكثر من أن تكون مروعة. واذا كانت تجربتنا (الثورية) مع ياسر عرفات قد حولتنا الى لاجئين على أرضنا. ما العمل؟!

نتصور أن الله تذكرنا بعد طول غياب. الذهب الأبيض هطل علينا من السماء, دون أن نرى سوى الدخان الأسود يتصاعد من قصر بعبدا, ومن بيت الوسط. واذا كان الدعاء الى الله لم يعد مجدياً بعدما حطمت الطائفية آخر أثر لله فينا...

أي حياة اذاً, اذا كنا قد دخلنا في العوز, كما دخلنا في الذل؟ سلاحف بشرية وتلهث على بطونها من أجل رغيف الخبز.

هذا بلد يقتله أهله ويعشقه الآخرون. لقد قتلنا الماء, وقتلنا التراب, وقتلنا الهواء. في آخر المطاف, لا سبيل الا أن نقتل أنفسنا. مهزلة أن نتهم طرفاً دون آخر بالمسؤولية عن تخلخل (وتحلل) الدولة. على مدى ثلاثة عقود, ولوردات الطوائف (القبائل) يغزون هذه المغارة التي لم تعد ترى فيها سوى الفئران ترقص الفالس, ربما على السنفونية الجنائزية لموزارت الذي قال «لا أستحق الرثاء بعد موتي لأنني قد أكون أزعجت الفراشات, وأنا أتنزه في حديقتي» !

دون أدنى شك, نثق بالجنرال جوزف عون. البعض يعتبره «أميركياً», وأن الأميركيين يعدّونه لدور ما في الوقت المناسب لتقوم في لبنان «جمهورية الموز». هذا الرجل لبناني حتى العظم. يدرك أن من يحملون السلاح في وجه بربريات القرن ليسوا بالمرتزقة, ولا بالأغراب. هم أبناء حقول التبغ, ورفاق السنابل, وأبناء شقائق النعمان التي تتلألأ على سطوح منازلهم. هو بالذات ليس رجل الأيدي الملطخة, ولا رجل الصفقات القذرة. لا بد أنه يلاحظ كيف أن جنوده بدأوا يتخوفون من أن يكون مصيرهم مثل مصير الجنود في الصومال, أو حتى في روسيا ابان عهد بوريس يلتسين حين كان الجنود في فلاديفوستوك يستخدمون قمصانهم كأحذية حتى لا يسيرون على الجليد.

اذا بقيت الأمور تتدهور هكذا, وعشاق الحقائب, وعشاق الكراسي, يتدلعون كما الراقصات في كاباريهات الدرجة الثالثة, فيما الحطام يملأ المكان, ما البديل سوى البلاغ رقم واحد؟ أن تنزل الدبابات الى الأرض, وتقول... أنا السلطة !!

لا بد أن يكون هناك ضباط لم يصابوا بعدوى الطائفية ولا بعدوى الاستزلام ولا بعدوى الفساد. ولا بد أن يكون هناك قضاة بعيدون عن سوق النخاسة, وغيرهم وغيرهم ممن يمتلكون الأدمغة النظيفة, والضمائر النظيفة, ليكونوا في حكومة مختلطة تزيل كل أثر لسنوات القهر, ولسنوات العهر, التي حولتنا الى أشلاء على أرصفة الأمم.

نحن واثقون من أن الأكثرية الساحقة من اللبنانيين سيهللون للخلاص. حتى داخل الأحزاب, هناك مسحوقون دون أن يتمكنوا من الابتعاد لأنهم «يسترزقون» من الفتات الذي ينزل من أحذية أصحاب الصور البهية على الطرقات, وعلى الجدران, وحتى في المقابر.

آلهة أم أوثان؟ لنعد الى نلسون مانديلا الذي رفض حمله على الأكتاف لدى اطلاقه, بعد تلك السنوات الرهيبة في الزنزانة, «لأن أكتافكم للوطن لا للآلهة ولا للأوثان»!

أيها الجنرال... ماذا تنتظر؟ العالم كله ضاق ذرعاً بتلك الأوليغارشيا الرثة التي يفترض أن تغادر المسرح, دون أن تترك وراءها سوى العار.

نعلم أن الوضع الاقتصادي, كما الوضع المالي, في ذروة التعقيد, لا بل في ذروة التردي. على الأقل, لا تعود هناك تلك الوجوه التي تعيد الى الذاكرة صورة جان ـ بيديل بوكاسا وهو يأكل أطفال أفريقيا الوسطى. الآن اكتشفنا, وان بعد فوات الأوان, أن الكثيرين من أولياء أمرنا, في الدنيا وفي الآخرة, ليسوا فقط أكلة لحوم البشر, وانما أيضاً... أكلة عظام البشر.

فرانز كافكا, بسوداويته الرائعة, كتب «أخشى أن تنقل جثتي بصندوق القمامة, لا بالتابوت, الى المقبرة». لم يقل ذلك اعتباطاً...