عـلــى المسرح اللبـنـانــي : أنــــقذوه فلا بــــديـــــل عــنــــه !!

لم تنقطع الأعمال المسّرحيّة في لبنان، حتى في أصعب الأيام. حيث إستمرت الأعمال رغم الويلات والأزمات. فمن لم يتأثر بعروض حفظناها حتى باتت جزءاً من حواراتنا اليومية؟

ففي بحث صغير نجد كمّا كبيراً من الأعمال التّي استقطبت الجمهور من كلّ المناطق والأعمار. ولكن ما واقع المسرح اليوم الذي أغلق ستائره وأطفأ أنواره منذ أكثر من سنة الى اليوم؟

تكمن أهمّية المسرح أنه العمود الأساسيّ في الثّقافة اللبنانية. فالعاملون فيه هم «مجنونو مسرح». أشخاص مثقفون من الدرجة الأولى. فعلى «المسرحيّ» أن يلمّ بكثير من التفاصيل: من الكلمة واللحّن والموسيقى وصولاً الى معالجة مشاكل الإنسان وهمومه وتقلّب حالته المزاجية وتعدّد الشخصيّات.

وعليه أن يغوص في المواضيع القديمة والحديثة والطارئة وبدراسة تأثيرها على حياتنا فيصل بثقافته الواسعة للناس فيثقف المجتمع، لذلك يسمّى المسرح بمرآة الشّعب.

في حديث مع الدّيار يقول مؤسس «مسرح شغل بيت» المخرج شادي الهبر: «المسرح اللبناني يعاني، فهو متأثر بكل شيء، من الوضع الإقتصاديّ والثورة الى كورونا والإغلاق العام. رغم اننا شهدنا حركة مسرحية لافتة قبل الأزمة. حيث واجهنا صعوبة في إيجاد وقت لعرض مسرحياتنا بسبب كثافة العروض، فهذا ما أفرحنا كثيراً».

يعبّر الهبر عن سخطه تجاه ما يلمسه من قلّة مراعات من الدولة إذ يقول: «المسرح من القطاعات الهشّة غير المدعومة من الدولة، فهي لا تعرف شيئاً عن عالم المسرح. لا تساعد او تساند بشيء».

من جهة أخرى، يعمل الممثّل المسرحيّ في جميع تفاصيل القطاع من التدريب والعمل الإعلامي الى التّعليم والإنتاج، لتأمين عيشة كريمة. فكما يقول الهبر: «للأسف، الدولة اللبنانية غير مهتمة بالمسرح، لذلك هو ملقى على عاتق الإنتاج المسرحي الشخصيّ . فكلّ العائدات المادية من عملنا في المسرح يوزع بيننا، والمصاريف كثيرة».

وعن تجربة «مسرح شغل بيت» الفريدة من نوعها بالعالم العربي تحديداً، يقول الهبر: «مسرح شغل بيت هو عبارة عن تحويل «بيت» الى مسرح. نستقبل من خلاله كل عشاق المسرح، الذين يودون تعلّم المسرح أو العاملين فيه من كتّاب وممثلين، فنعقد لقاءات ينتج عنا عروض مسرحية». ويضيف الهبر: «منذ انطلاقة هذا البيت في 2016 لحد الآن، استطعنا المساهمة في تثبيت وجود المسرح في لبنان أكثر فأكثر. فهو حالة اثبتت وجودها عبر دعم الذاتيّ، حيث أصبح لها جمهور متابع».

في خضم الركود السائد في زمن كورونا، وإستمرار الأعمال التلفزيونية الجديدة بالظهور يطرح السؤال عن البدائل في المسرح، ولكن يأسف الهبر لعدم وجودها: «حصلت بعض التجارب في لبنان كأن يقام مسرح «online» ولكنها فشلت ولم تتكرّر. لا يمكن تعويض متعة المسرح او حضور مسرحية بأي شيىء آخر». وأضاف: «عندما يتم تصوير مسرحية وعرضها عبر شاشة تخسر نصف قيمتها. فالمسرح يعتمد على خلطة متماسكة تتكون من إبداع النصّ، الديكور، التمثيل، الإخراج وتفاعل الجمهور». فلا ننسى أن المسرح بطبيعته هو تكامل حيّ بين ما يدور على الخشبة والجمهور.

إذ كان لا بديل للمسرح لماذا لا يتجه المسرحيون الى الشاشة الصغيرة؟ من هنا كان لنا هذا الحديث مع الممثلة مايا سبعلي حول الفرق بين الممثل المسرحي والممثل التلفزيوني: «ليس من فرق بين نوعيّن، فالممثل هو ممثل أينما حلّ. ولكن الفرق يكمن في تقنية العمّل. فتقنية المسرح تختلف عن التلفزيون ولكن الجوهر نفسه. فقبل كل شيء على الممثل ان يمتلك الموهبة والشغف فهما من أساسيات العمل، اضافة الى استعمال «الأدوات» الازمة مثل الجسد، الصوت، الذاكرة، خبرة الأعمال السابقة، اختبار الشخصيات، التعاطي مع المشاعر، وغيرها». لذلك من المهم أن يتمتع الممثل بقدر واف من الثقافة. أما في التلفزيون تشرح سبعلي: «مهما كان المؤدي طبيعياً يمكن للكاميرا أن تفضح زيفه مع أدق التفصيل». وتضيف: « المشكلة في لبنان ليست بالفرق بين المسرح او التلفزيون انما هل المؤدي هو ممثل او غير ممثل، اكاديمي او فقط موهوب، فمهما كانت الموهبة كبيرة تبقى الدراسة محركاً أساسياً».

ولأن المسرح هو عشق لا يستبدل بأي شيء آخر، مستقبله متلازم والممثل المسرحي. فمجنونوه لن يسمتعوا بلذّته في المسلسلات. لذلك يبقى الإصرار على الإستمرار، ولو بالحد الأدنى، سيد الموقف. ويبقى الأمل موجوداً بهمّة وحماس الجيل الجديد، وعلى الدولة والقيمين أن يؤدوا واجباتهم تجاهه ليعاد للمسرح اللبناني رونقه وازدهاره كما كان في عصره الذهبي.