الموقف الأميركي والسعودي من «بقاء حزب الله خارج التركيبة الحكوميّـة».. لم يتغيّر بعد !!

هل باتت مهمّة الرئيس المكلّف سعد الحريري أسهل في تشكيل الحكومة، بعد أنّ «حرّره» رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل من مطالبه، من خلال دعوته له، خلال مؤتمر الصحافي الأخير، بتشكيل حكومة من الإختصاصيين من 18 وزيراً «من دون مشاركتنا»، كون أكثر ما يهمّه هو أن تُحقّق هذه الأخيرة «الإصلاح»؟! وهل صحيح بأنّ عقدة التشكيل تتمثّل فقط بالخلاف القائم في وجهات النظر بين الرئيس المكلّف وفريق رئاسة الجمهورية على الحقائب والتسمية؟!

تقول مصادر سياسية عليمة بأنّ فقدان الثقة القائم اليوم بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف لا يُمكن أن يؤدّي الى تشكيل الحكومة ما لم يتمّ إعادة هيكلة العلاقة بين «التيّار الوطني الحرّ» و»تيّار المستقبل». وحتى لو تشكّلت الحكومة وضمّت عون و«التيّار»، من دون إعادة ترتيب العلاقة بين الطرفين، فإنّها لن تتمكّن من أداء مهامها الإنقاذية المطلوبة منها وتحقيق الإصلاحات.

أمّا فيما يتعلّق بالعراقيل الأخرى، فأوضحت المصادر بأنّ ثمّة عقدة مخفية لا يحسب لها البعض الحساب، أو يُحاول تناسيها، تتمثّل بموقف الولايات المتحدة الأميركية (والسعودية ضمناً) الثابت والذي لم يتغيّر بعد، وفق المعلومات الأكيدة، والمتعلّق بوجوب الإبقاء على حزب الله خارج تركيبة الحكومة الجديدة. علماً بأنّ توافق الحريري مع جزء من الثنائي الشيعي على الحقائب والتسمية حاصل منذ فترة طويلة، إلاّ أنّ هذا «الفيتو» الذي يُحكى عنه وغير المُعلن بشكل رسمي، يُمثّل إحدى العقبات الأساسية في تشكيل الحكومة. فالولايات المتحدة لا تزال، حتى في ظلّ عهد الرئيس الجديد جو بايدن، تتمسّك بموقفها القاضي بمقاطعة الحريري، على أن تضعه على لائحة العقوبات الإقتصادية أيضاً في حال ضمّت حكومته وزراء من حزب الله. فالولايات المتحدة تُصنّف حزب الله، منظمة إرهابية، من وجهة نظرها، بحسب القانون، وعليه فإنّ كلّ من يتعامل معها تحظّر عليه التعاطي مع أي من المنظمات الإرهابية المدرجة على اللائحة السوداء، ومن ضمنها الحزب.

ولهذا تتساءل المصادر: كيف سيتمكّن الحريري من الخروج من هذا الضغط الذي يُمارس عليه، من دون أن تصله بعد التطمينات من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يدعمه كرئيس مكلّف قادر على قيادة حكومة إنقاذية تقوم على تطبيق خارطة الطريق الموضوعة والمتفق عليها؟ علماً بأنّ زيارة ماكرون الى الرياض التي كانت مقرّرة مبدئياً الأسبوع الفائت، قد جرى تأجيلها الى آذار المقبل. ويرى المراقبون السياسيون في تأجيل هذه الزيارة مؤشّراً سلبياً لا يُبشّر بالخير، لا بل يؤكّد على عدم حصول أي تغيير في موقف السعودية الذي يعكس الموقف الأميركي بطبيعة الحال، وهو ضرورة الإبقاء على «حزب الله» خارج التركيبة الحكومية الجديدة.

من هنا، فإنّ الحريري، برأي المصادر، لن يتمكّن من تخطّي هذه العقدة والتشكيل معرّضاً نفسه للعقوبات الأميركية، قبل أن يقوم ماكرون بزيارته الى السعودية، علّها تأتيه بالنتائج المرجوّة التي تسهّل عليه مسألة التشكيل، حتى وإن كان توافقه مع «حزب الله» قائم ولا يحتاج الى أي مشاورات إضافية. وجلّ ما ينتظره هو رفع «الفيتو» الأميركي والسعودي عن الحزب، وهذا لن يحصل من دون توافق هاتين الدولتين مع إيران.

ولهذا فإنّ «تحرير» باسيل الرئيس المكلّف من مطالبه وحصّة تيّاره، لن تنفع الحريري في شيء، ولن تُسهّل عليه عملية التشكيل التي لا تزال تنتظر الضوء الأخضر من الخارج عبر ماكرون. وتقول بأنّ الكرة التي أصبحت مجدّداً في ملعب الحريري ستبقى طويلاً الى أن يأتيه الفرج.

وأكّدت المصادر بأنّ المشاكل غالباً ما تنتهي في لبنان من خلال التقارب في وجهات النظر، ووجود قواسم مشتركة. ولهذا ثمّة من يُعوّل على حصول مبادرة لجمع الطرفين المتنازعين في مكان ما، بهدف الذهاب الى تشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن. أمّا التوافق فسيكون نوعاً من الإتفاق الضمني بينهما، لأنّ أي منهما لن يولي الطرف الآخر الثقة المطلقة. غير أنّ هذه المبادرة لا بدّ وأن تأتي من طرف خارجي كونه يستطيع «المونة» أكثر على كلّ من الطرفين، وإلاّ فلا بدّ من انتظار الوصول الى استحقاقات دستورية تُحدث تغييراً ما.

وعن بقاء أزمة الثقة في حال جرى تشكيل الحكومة، أشارت المصادر نفسها الى أنّها ستبقى في حال لم يتمّ التوافق على رؤية موحّدة للبلد. غير أنّ تشكيل الحكومة يبقى أفضل من الوضع الحالي في ظلّ حكومة تصريف الأعمال، وإلّا فإنّ البلد سيذهب فعلاً الى المجهول مع خسارته لكلّ مقوّمات النهوض مجدّداً من دون إمكانية حصوله على دعم المجتمع الدولي له. في الوقت الذي يؤمل فيه من الحكومة الجديدة أن تبدأ فوراً بتحقيق الإصلاحات الشاملة المطلوبة لإنقاذ البلد. ولكن تخشى الأوساط، في الوقت نفسه، من أن تُصبح الحكومة في ظلّ انعدام الثقة بين مكوّناتها السياسية على غرار حكومة الحريري الأخيرة التي تعطّل انعقادها بسبب حادثة قبرشمون في عاليه التي وقعت في تمّوز من العام 2019.

وتجد المصادر بأنّ المقياس الفعلي الذي يستطيع التغيير في لبنان هو الإتفاق على حلّ داخلي، يتمّ فرضه على الآخرين في الخارج بدلاً من انتظار التسويات الخارجية، وعدم بقاء الأطراف الداخلية مرتهنة لإملاءات دول الخارج. علماً بأنّ الصراع الحاصل حالياً على الحصص والحقائب في الحكومة المنتظرة هو بسبب بقائها الى ما بعد تحقيق الإصلاحات، والى ما بعد الإنتخابات النيابية وما بعد الإستحقاق الرئاسي المقبل. ولهذا يقوم الحريري منذ الآن بحسابات إمكانية توسيع نفوذه في البلد، بعد انتهاء عهد الرئيس ميشال عون ويستجلب لذلك الدعم الخارجي من قبل بعض الدول الصديقة له.