ليس صحيحاً أن صانع التراجيديا اللبنانية شخصٌ واحد أو جهة يتيمة ، مهما كان إتهام ذلك الشخص أو تلك الجهة يوافق هوًى في نفس المتهِم. ونحن نظلم أنفسنا قبل الآخَرين إذا بسّطنا المأساة المستفحلة وقزّمناها إلى هذا الحد.

وليس موضوعياً رميُ الكرة في ملعب مصرف لبنان بشخص حاكمه ، ولا رميها على سلاح المقاومة الرادع، ولا حتى على النظام الطائفي البغيض وحده. فالمأساة اللبنانية متشعبة ومتناسلة ، على الأقل منذ مئة عام. ويدخل في هذين: التشعب والتناسل من العوامل المباشِرة والمداوِرة ما لا يتسع له مقال . مِن تلك العوامل أزمةُ المفاهيم ، والتفلتُ المؤذي باسم الحرية، والمنظومة المذهبية المتضامنة على حفظ المصالح رغم الخلاف الطّائفي على سطوح أحجامها، والإحتكار التجاري، والإقتصاد الإستهلاكي اللامنتِج، والفوضى السياسية - المالية، والمناهج التربوية الملغومة بِوَهْم التعددية، والأصابع الخارجية المتفقة على عطب النظام رغم التظاهر بمساعدة لبنان على تَخَطي معضلاته، من دون أن ننسى العامل «الإسرائيلي» الملازِم لأزماته، نظرياً قبل 1948، وعملياً بعد نشوء الكيان الغاصب على قاعدة القضم والتوسع والهيمنة والإحتلال، تطبيقاً للوظيفة الإستراتيجية المرسومة لهذا الكيان وتمدُّده الخبيث.

أما العلة البنْيَوية الكامنة في الداخل اللبناني فَتَكمُن في اضطراب الولاء وفي الثقافة الفسيفسائية التي يختلف منظورها حتى للأمن والقضاء والبديهيات ، بل التي تقرأ التاريخ والجغرافيا والإستقلال والسيادة، لا على أساس الكرامة الوطنية الجامعة بل على أساس المصالح الجزئية، للأفراد أو لأباطرة الطوائف والإحتكارات والإقطاعات، من دون مراعاة المصلحة العامة التي لها تكون الأولوية الواجبة، وعليها ينعقد الإجماع.

هكذا يتضح أن أزمتنا الوجودية، في جوهرها قبل ظاهرها، هي أزمة أخلاق وأزمة رؤية. ولن يستقيم الوضع في لبنان قبل حسم المأزق المناقبي الكبيرالذي يعاني منه إنسانُنا التائه قبل نظامنا السياسي - الإقتصادي - الإجتماعي. ولعل نقطة الإنطلاق في عملية الحسم هي بناء المواطن ذي الضمير الجماعي أو الوازع الروحي الذي اعتَبَرَه تيلار دي شاردان «الحضور الإلهي في الإنسان».

وإذا لم تكن مهمة الإيقاظ والإنقاذ ممكنة بدون إرساء دولة القانون القائمة على صدقية المسؤولين وعلى هيبة المؤسسات والتطبيق الحازم للنظام، فعبثاً نبحث عن الضالة اللبنانية الغارقة في أوقيانوس الفساد بفِعل الجريمة المنظَّمة لِحِيتان البحر الكثيرة الجشِعة، التي تعطّلتْ جميع حواسّها باستثناء حاسَّة الإبتلاع، العصية على الإشباع.