تبدي أكثر من جهة سياسية وحزبية قلقها من أن تكون مرحلة ما بعد خطاب البطريرك الماروني بشارة الراعي بالأمس، مشابهة إلى حد كبير حقبة العام 2005، والتي شهدت آنذاك انقسامات سياسية حادة لا زالت ارتداداتها قائمة حتى اليوم، وبناء على هذه المعطيات، ينقل وفق معلومات مؤكدة بأن البطريرك الراعي متيقّن ومتيقّظ لكل ما سيحدث بعد كلمته، ولهذه الغاية لا يُستَبعَد أن يتواصل مع كل الأفرقاء، ولكن المؤكد أيضاً أنه لن يتراجع عن أي موقف أعلنه في كلمته أمام الحشود التي زارت بكركي مؤيّدة مواقفها، وخصوصاً بالنسبة للمسلّمات والثوابت التي نادى بها في الآونة الأخيرة.

وهنا يرى أحد المتابعين والمطّلعين على حركة ومواقف بكركي، أن إشارة سيد الصرح إلى قداسة البابا فرنسيس، لدليل على أن هذه المسلّمات التي تحدّث عنها، إنما تحظى برضى ودعم الفاتيكان التي بدورها تتابع وتواكب عن كثب الملف اللبناني بدقة متناهية، وتتواصل مع عواصم القرار من أجل إنقاذ لبنان، بعدما وصلتها تقارير من الكنيسة في لبنان عن معاناة اللبنانيين، وما يحيط بهم من فقر وظروف معيشية قاسية وخطيرة، وبالتالي، أنها على بيّنة أيضاً من كل الملفات اللبنانية، وهي ترى أنه، وبعد حروب العراق وسوريا وكل ما جرى في المنطقة، من الضرورة أن يحصّن الوجود المسيحي على قاعدة التعايش مع المسلمين، ولهذه الغاية، كانت كلمة البطريرك واضحة في هذا السياق، في مقابل، أن ما نادى به سيد بكركي من عناوين سيادية واستقلالية تشاطره بها أطراف أخرى غير مسيحية، مثل رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، والكثير من الشخصيات الإسلامية، ما يعني أن خطاب البطريرك الراعي وطنياً وليس مسيحياً.

وترى مصادر عليمة، في سياق آخر، أن ما قاله البطريرك، بأن الخارج يتابعنا ويسمعنا الآن لدى إلقاء كلمته، لأنه يعلم ويدرك من خلال الإتصالات التي قام بها مدى اهتمام الدول الغربية والعربية والمجتمع الدولي بشكل عام، بمأساة البلد وضرورة إنقاذه من معضلاته، مؤكدة بأن أكثر من جهة ديبلوماسية غربية وعربية واكبت بدقة خطاب البطريرك الذي سيكون عنوان المرحـلة المقبلة، وعلى هذه الخلفية، بات الجميع يعلم أنه ما بعد هذه الكلمة ليس كما قبلها، وبالتالي، فإن لبنان دخل في أجواء جديدة وقديمة في آن، كما كانت الحال في مرحلة العام 2005، والهواجس تكمن من عودة الإصطفافات السياسية والمواقف التصعيدية التي كانت سائدة آنذاك، إلا في حال كان هناك تفهّم واستيعاب لظروف البلد الذي تغيّر كثيراً عن تلك المرحلة لناحية انهياره مالياً واقتصادياً ومعيشياً، أي أنه لا يتحمّل أي تصعيد إضافي أو مغامرات من هذا الطرف وذاك، متـوقّعـة أن تكون المواقف التي ستأتي من قبل الكثيرين رداً على كل ما نادى به الراعي بمثابة عنوان المرحلة المقبلة عبر الأجندات التي يلتزم الأفرقاء السياسيون بها من هذا الطرف وذاك، خصوصاً وأن هنـاك مبادرة فرنـسية لا زالت قائمة، وإن كانت في الوقت الراهن معطلة.

وبالتالي، يعتقد البعض، وفق المعلومات التي يملكونها، بأن هذه المبادرة قد تحتاج إلى إعادة نظر بعد المتغيّرات الجديدة في لبنان، إن على المستوى الداخلي، أو ما يجري في المنطقة، وتحديداً منذ وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، لذا، فإن ما حصل في بكركي سيكون المادة السياسية الأساسية لكافة الأطراف، وصولاً إلى ردود الفعل الدولية والعربية، ليبنى على الشيء مقتضاه من خلال هذه المواقف والردود.