مع بدء الأزمة المصرفية العام المنصرم وعدم قدرة المودعين على سحب أموالهم بالعملة الأجنبية، برز وبشدة تنافس هائل لدى المكاتب العقارية وسماسرة العقارات وظهرت حملة إعلانية ضخمة لتشجيع المودعين المتضررين من الأزمة على الإستثمار بأموالهم في لبنان وحتى خارجه عبر شيك مصرفي.

فهل فعلاً كان هذا نوع من أنواع الحلول المطروحة للإستفادة من الأموال المحجوزة، أم كان بمثابة فخ آخر وقع فيه هؤلاء؟ وماذا عن مصير السوق العقاري مستقبلاً؟

للإحاطة بهذا الملف وللاجابة على كافة الأسئلة التي تراودنا، كان لابد من التواصل مع خبراء في هذا المجال، حيث قامت الديار بالإتصال بكل من المستشار والخبير العقاري لدى المحاكم والبنوك، عضو إتحاد المحكمين العرب وصاحب شركة عقارات.نت السيد سانتو عبيد، والإستشاري العقاري ومدير تطوير الأعمال لشركات عربية وكويتية مستثمرة في لبنان، السيد حسام دغمان.

} عقارات بيروت، بعبدا، كسروان، المتن، جبيل، والبترون إلى إرتفاع جنوني}

الخبير عبيد كان أول من تحدث عن الـ«hair cut» بوضوح قبل ثورة تشرين بسبعة اشهر، وهو من توقع وصول الدولار إلى 6000 ليرة بحلول حزيران وما فوق الـ 10.000ليرة بحلول رأس السنة.

وفي توقع عقاري بارز، يقول السيد عبيد أن القطاع متجه إلى إرتفاع بنسبة 4 أضعاف في بعض المناطق، حيث يتوقع أن تشهد قرى ومدن بيروت، بعبدا، كسروان، المتن، جبيل، والبترون إرتفاعاً خيالياً في أسعار العقارات مترافقةً مع اعتماد الفيدرالية التي ستفرض نفسها خلال ثلاث إلى خمس سنوات بحسب رأيه.

وتوقع هذا يعزيه إلى عدة أسباب، أهمها الفائض المالي في معظم بلديات هذه المناطق الأمر الذي سوف يحقق لها إكتفاء ذاتياً وبالتالي سوف تحقق نهضة إقتصادية وإرتفاعاً بنسب الإستثمار.

أما عن باقي المناطق، يشرح عبيد قائلاً أن «30 % فقط من أراضي لبنان مملوكة، أما الـ 70 % الباقية فهي تتبع للأوقاف، وبالتالي أي عقار يتم بيعه من نسبة الـ 30 % فإن سعره يزيد بنسبة 15 % سنوياً بشكل تلقائي بسبب خصوصية وتميز العقار اللبناني، وعدم وفرته وتكراره».

خصوصية وأهمية العقار اللبناني بنظر الخبير قد تكون مخرجاً وحلاً للأزمة الإقتصادية في لبنان، إذ أنه وبنظره، لبنان دولة مديونة ولكن ليست مفلسة. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، يرى السيد عبيد أن قيمة السكك الحديدية التي تشغل 70 إلى 80 % من الشاطئ اللبناني تقدر بحوالى 400 مليار دولار وهي كفيلة بأن تغطي دين لبنان الذي لا يتجاوز الـ 200 مليار دولار إذا ما تم خصخصتها وبيعها.

} اللبناني وقع في فخ الشيك المصرفي}

من ناحية أخرى يقول دغمان: «برأيي ورأي الخبراء والمقاولين والمهندسين السوق العقاري متجه نحو التباطؤ، خصوصاً أن الأزمة المالية نهاية عام 2019 دفعت بالكثير من المودعين اللبنانيين، وخصوصاً الكبار منهم، إلى إستثمار أموالهم في شراء العقارات عوضاً عن تركها في البنوك».

إضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من ركود سوق المقاولين، وصعوبات تحويل الأموال من المغتربين، ما زال بامكاننا القول أن السوق العقاري، كان حتى هذه اللحظة اقله، متعافياً كون هذا القطاع لم يتأثر بضخامة تأثر القطاعات الأخرى لأنه محمي بعملات أجنبية كالدولار وغيره.

أما عن ارتفاع اسعار العقارات، يعزي دغمان الأمر إلى عدة أسباب أهمها إرتفاع الطلب على هذه العقارات حافظ على قيمتها المرتفعة نسبياً، لا بل أدى أيضاً إلى إرتفاع إضافي كون المالكين حاولوا الإستثمار في هذه الأزمة وضمان هامش ربح أكبر، ما زاد من تشابك هذه الأزمة وهذا الإرتفاع أيضاً، هو دخول أساليب عدة للحصول على دولار طازج من البنوك، بحسب دغمان، فكان الشيك المصرفي الذي هو بدوره دخل السوق السوداء وبات يخضع لعمولات كثيرة حتى يتم التوصل إلى صرفه بشكل كامل، الامر الذي يفقده جزءاً كبيراً من قيمته، ويجبر البائع إلى رفع السعر.

عملية صرف هذه الشيكات هي فعلياً العملية المشبوهة، والتي تسترعي تحقيقاً بكيفية تصريف مئة ألف دولار من شيك قيمته الفعلية ثلاثمئة الف دولار مثلاً.

أيضاً وأيضاً من أسباب هذا الارتفاع، يضيف، هو توقف القروض وعدم قدرة بعض المقاولين على إستكمال المشاريع التي كانوا قد بدأوا بها واضطرارهم إلى بيع هذه المشاريع باسعار تضمن لهم عدم الخسارة، مترافقةً مع إرتفاع جنوني بأسعار الترابة ومواد البناء الأخرى.

بالتالي من البديهي، وفق دغمان، بعد هذه الطفرة والسوق المتخم، أن يتجه نحو الركود أو التباطؤ كما ذكرنا سابقاً، كونه قد خرج ثلاثة أطراف بالرضى الكامل. فالمودع إستثمر ماله، والمقاول أنهى دينه، والبنوك حصّلت أموالها، ولا شيء في الافق يوحي بقدرة شرائية مع غياب إمكانية الاستقرض، وإستحالة تحويل الأموال من الخارج، والإنهيار الجنوني للعملة اللبنانية مقابل الدولار.

إذاً يصح بعد ما قيل مثل «نيال من عنده مرقد عنزة بلبنان» كونه عقاراً لا يتكرر، وقيمته في إرتفاع دائم، ولكن لقد وقع اللبناني في فخ مافيات الشيكات المصرفية، وما اعتقده تصرفاً ذكياً بالإستثمار في العقارات، كان في الواقع عملية سرقة أخرى بجانب السرقة الأولى التي تعرض لها من البنوك. يبقى السؤال الأهم عن من قام فعلاً بهذه العمليات المصرفية المشبوهة من خارج المصارف في الظاهر، وماذا عن الداخل؟».