يَنْدُر أن تتسع الهوة بين بلد وشعاراته كما هو الواقع في المأزومية اللبنانية. ولم يعايِنْ جيلنا عناوينَ مختلَفاً على معانيها كما هي الحال في الموزاييك اللبناني، المفتقر إلى الإجماع حتى على مُسَلَّمات إفتراضية .فكلُّ مفردة في السياسة أو الإقتصاد أو القانون تحمل لكل فريق من الدلالات ما يغاير الثقافة التي نشأ عليها الفريق الآخَر، إلى درجة أن التباين الثقافي الشعاراتي يجافي عملية التطبيق حتى إذا حوّلتْ ظروفُ المصادفات ذاك التباعد إلى تقارب عابر. إلى درجة أن الممارسة الديمقراطية عند الجهات الأكثر تغنّياً بها يمكن أن تنقلب سريعاً إلى عكسها متى كان السلوك الأحادي الأوتوقراطي يدغدغ الأتباع أو يستقطب الأنصار.

نحن في «لبنان التعدد والتنوع» لا نتفق على تحديد الهوية ولا حتى على تحديد مفهوم الدولة أو الوطن. فالوطن «النهائي» الذي نصت عليه وثيقة الطائف هو تارةً «مختبر للتعايش» وطوراً هو «رسالة» أو «جِسْر تواصُل بين الشرق والغرب»، أو «سويسرا الشرق» أو مبالغات أخرى من النعوت التي يتبارى اللبنانيون في إطلاقها، من دون أن يكلفوا أنفسهم سؤال فقهائهم القانونيين: كيف تستوي الديمقراطية والمذهبية في هيكلية كرنفالية عجائبية لم تستطع أن تبني مجتمعاً سليماً ولا دولة حقيقية؟

هل نذيع سرّاً في الإعلان أن لميثاق 1943 عينه تفسيرات متنافية أنتجَتْ جولات من الإحتراب السياسي والطائفي والميداني؟ كذلك القول في تقييم أحداث 1958 والموقف من المدّ الناصري ومن حلف بغداد، ثم في المواقف من المقاومة الفلسطينية ، ومن صفعة تفجير الطائرات المدنية الثلاث عشرة الرابضة على مدرج مطار بيروت. وجاءت حرب السنتين البشعة ومستتبعاتها الجاهلية، التي أعقبها إجتياح العدوّ الإسرائيلي، منعطَفاً كارثياً في البنْيَة اللبنانية المريضة أصلاً. وتخلل ذلك الدفرِسْوارُ الخياني للشريط الحدودي وحربُ الجبل التآمرية البغيضة. لكنّ الغريب أن عدوان 1982 الخطير في أهدافه وإجرامه وتداعياته لم يستطع أن يوحِّد-في مواجهته- شعباً احتُلّتْ أرضه ودِيسَتْ كرامته وهُجِّر أهله وأُقفل مطاره ودُمرَتْ مؤسساته وسُلِّم قصره الجمهوري لقائد جيش الإحتلال «على عينك يا تاجر». نقول ذلك من غير أن نتغافل عن كون الإنشطار الداخلي من الأسباب المباشرة التي شجعت العدو على اجتياح سافِر وصل إلى بيروت والجبل والبقاع ، ولا عن أن فئات لبنانية تُزايد باللبننة والسيادة والإستقلال كانت حصان طروادة اللبناني في استجلاب الإحتلال ، بعد أن أمضت سنوات عديدة وهي تتدرب عند العدوّ وتتسلح منه وتحرضه على «إنقاذها من المخربين الفلسطينيين» ومن قوى اليسار المتحالفة معهم.

لا نقول ذلك لنكءِ الجراح بل للإعتبار من المآسي والمواجع ،على الأقل فيما يتصل بالحاضر والمستقبل. ولعل مِن تلك العِبَرالنَّصوح أن أخاك في المواطَنة أَوْلى بجهدك وحرصك ورأيك وإمكاناتك. لذلك نقول للكاردينال الراعي بوصفه بطريركَ أنطاكية وسائر المشرق للموارنة : إن أحداً لا يستطيع الدفاع عن الفساد والفاسدين، والإختلاس والمختلِسين ،ولا عن المتسببين في إبقاء الحكومة مُعَلّقة على حبال الفراغ القاتل. لكنّ هذا لا يعطيكم حق الإتهام السياسي لفريق لبناني كبير، ولا يخوّلكم المبادرة إلى استجرار التدويل. أولاً لأن البطريرك ليس ذا صفة قضائية ولا ذا صلاحية في هذا الشأن. ثانياً لأن إخوتكم في المصير والتقرير هم أحرى بالتدارُس المشترك لوسائل الإنقاذ من الحفرة التي ساهم جميع المعنيين-عن حُسن نية أو عن سوئها- في إنزال لبنان المتهالك إليها .لذلك ليس حلاً أن تتم المزايدة على أحد ، خصوصاً على عامل القوة التي يُحسَب لها حساب في الإقليم ، أي على المُكَوّن الأساس في تكوين معادلة الردع الوازِنة مع عدونا التاريخي، وفي تحرير جنوبنا الغالي من احتلال دام 22 عاماً ، وتحرير معابرنا وجرودنا من الخطر الإرهابي ، مدركين كل الإدراك أن ذلك لم يُنجَز بالبيانات والمزايدات والمزاعم بل بدماء شهداء المقاومة الأبرار وأبطالها الأغرارالذين ستبقى تضحياتهم المشهودة راياتٍ من الفخر والعزّ والكرامة.

لذلك نجزم بثقة مُطلقة أن الذين يجب أن يُساءَلوا هم أولئك الذين يستدعون التدخل الدولي المنحاز باسم «الحياد» المزعوم، لا الذين دافعوا عنا جميعاً في ملحمة الصراع المحتدمة مع العدوّ منذ 1948، بل منذ أكدت الأحداث والوقائع والمجازر والمراسلات والوثائق السرية أن «إسرائيل» -التي قامت على الإستيطان والتوسع والمشروع الأخطبوطي الإقتلاعي- لا تكتفي بالإستيلاء على القدس والناصرة وبيت لحم في فلسطين الحبيبة ولا على الجولان وشبعا وتلال كفرشوبا أوعلى ثرواتنا الطبيعية أينما وُجِدتْ ، بل هي السرطان الذي لا تنفع معه المُسَكّنات ولا يُجدي معه دفْنُ الرؤوس في الرمال.

قال أفلاطون الذي ما زال يلعب دوراً دينامياً في البنيان الفكري العالمي: «أَصْلَحُ الدول تلك التي يتكلم فيها الناس كلماتٍ ذات معنى واحد». ولما كان هذا المبدأ غير منطبق على لبنان ،المنفصم حتى في بديهياته، صار لزاماً على المسؤولين أن يعملوا على توحيد الأبجدية السياسية والوطنية في بلدٍ متصدع بل محتضر .وإذا ارتأى المسؤولون الرسميون ، في سياق العمل على توحيد منظومة الإبجدية العامة ،أن يستعينوا بجهة خارجية ما للدعم المالي أو السياسي أو الدفاعي ، فإن ذلك لن يكون على الإطلاق منوطاً بمرجعية دينية راغبة في دور سياسي، ولا بتَجَمُّع بكركي المحدود والمعروف حجمُه الواقعي ، بل بالسلطات اللبنانية الرسمية التي أناط بها الدستور هذه المهمة المعقدة التي لا تُرتَجَل من نافذة مُطلة على رعية ولوهتفتْ أبواقها بما ينضح فيها من التوجيه الفئوي والقيح الدفين.

كلمة أخيرة نقولها لصاحب الغبطة،مستقاة من فم السيد المسيح، وهي أن لبنان يريد رحمة لا ذبيحة. فلا تنفردوا بالتدبير البطريركي نيابة عن جميع المواطنين. ألمْ يقل لنا المًعَلّم الجليليّ أيضاً: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» ؟ أليست هذه أيضاً فحوى دعوتكم الى إقامة الدولة المدنية؟ أم أن الشيزوفرانيا اللبنانية قد طالت الجميع، فلم يَسْلم منها راعٍ ولا رعية؟!