خاص «الديار»

استمرّت زيارة البابا فرنسيس التاريخية الرسولية الجامعة الى العراق، والأولى من نوعها في تاريخ البلاد الجريحة لليوم الثاني على التوالي. فقد أتى رأس الكنيسة الكاثوليكية جارّاً معه سنوات عمره الـ 84 ومتخطّياً الوضع الأمني المتوتّر وتفشّي وباء «كورونا».. أتى كآب أقدس راعٍ للإطمئنان على قطيعه، حتى وإن كان عدد أبنائه العراقيين المؤمنين قد تقلّص منذ عقود بفعل الإرهاب والإضطهاد والعنف والقتل والتهجير. اعتبر قداسته أنّ هذه الزيارة هي «واجب» عليه القيام به لتفقّد أبنائه والكنيسة المضطهدة وتضميد جراح شعوب المنطقة وشعب العراق المتألّم، ولا سيما المسيحيين حتى وإن أصبحوا من الأقليات، وذلك لتشجيعهم على التشبّث بأرضهم وإعادة إعمار كنائسهم المدمّرة، وعلى استمرار العيش المشترك. كما هدفت زيارته لكسر الحواجز بين مختلف الديانات والمذاهب وتعزيز الأخوة والإنسانية من خلال تتويجها باللقاء غير المسبوق الذي جمعه بأكبر مرجع شيعي في البلاد هو سماحة آية الله العظمى السيّد علي السيستاني. وقد اعتُبر هذا اللقاء التاريخي إحدى أبرز محطات رحلة بابا الفاتيكان الى العراق.

قبل زيارة الأب الأقدس التاريخية هذه لم يكن هناك أي دور للفاتيكان في العراق، ولكن مع تحقّق زيارة قداسته وبعدها، على ما تؤكّد مصادر كنسية رفيعة المستوى، فإنّ العراق ستفتح صفحة جديدة متعلّمة من دروس التاريخ، ومن تجارب الشعوب القاسيّة لا سيما لبنان الأقرب لها مع وصول الأزمة السياسية فيه الى طريق مسدود. فإذا كان هناك رغبة حقيقية لدى السياسيين العراقيين الذين يعلمون تماماً ما هو المطلوب وما هو الحلّ لأزمتهم، فعليهم الإستفادة من الفرصة لبداية جديدة التي قدّمتها لهم زيارة البابا فرنسيس الى بلادهم، لا سيما وأنّ الشعب العراقي يستحقّ العيش بسلام ليس لأنّه عانى الكثير فقط بل لأنّه يملك الإمكانات والخبرات ليكون أفضل مما هو عليه. وأكدّت أنّها ستُشكّل محطة فاصلة بين ما قبلها وما بعدها على المستوى السياسي والجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، على أن تحمل الصفحة الجديدة عنوان الأخوّة الإنسانية والعيش المشترك بسلام والتسامح والمغفرة والدعوة للحوار والتلاقي بين مختلف الأديان ونبذ العصبيّات والنزاعات والحروب. فالعراق هي مهد العيش المشترك والحضارة على مرّ التاريخ، ولا بدّ من أن تبقى.. وقد عبّر العراقيون المؤمنين عن فرحهم بزيارة البابا هذه التي انتظروها طويلاً ولم يُصدّقوا أنّها حصلت إلاّ بعد رؤيتهم طائرة قداسته تُغادر مطار فيوميشينو في روما صباح الجمعة متوجّهة الى بغداد.

ومن خلال زيارته الى العراق التي تأتي على خطى ابراهيم الذي تلقّى دعوة من الله للإنطلاق من أرض الأجداد الى أرض الميعاد، وقد سلّم نفسه كليّاً لدعوة الله فدُعي «أب المؤمنين» عند المسيحيين والمسلمين واليهود، أراد البابا فرنسيس أن يُحقّق اكتمال صورة التعايش المسلم المسيحي في منطقة الشرق الأوسط.. ولهذا التقى بالمرجع السيستاني (البالغ من العمر نحو 90 عاماً)، بعد أن كان وقّع «وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك» مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب في العاصمة الإماراتيّة أبو ظبي خلال فعاليات لقاء الأخوّة الإنسانية في 4 شباط عام 2019. وتتوقّع المصادر نفسها أن يفتح هذا الحدث التاريخي الضخم باباً واسعاً أمام ترسيخ التعايش المسيحي- الإسلامي في الشرق ورسالة لتمسّك المسيحيين بأرضهم فيها، ودفعاً لإرساء السلام الذي تحتاجه شعوب المنطقة، وتحوّلاً في العلاقات بين مكوّنات المجتمع الواحد الغارق في رِمال المصالح الدولية المتحرّكة.

اللقاء التاريخي مع السيستاني

ثلاث محطّات مهمّة توقّف عندها البابا فرنسيس في اليوم الثاني من زيارته التاريخية للعراق.. وقد استهلّ البابا فرنسيس الزعيم الروحي لنحو 1.3 مليار كاثوليكي في العالم يومه الطويل بإحدى أبرز محطّات زيارته إذ حطّت طائرته في الثامنة من صباح أمس بتوقيت بيروت (التاسعة بتوقيت العراق) في مدينة النجف المقدّسة جنوب العراق حيث عقد لقاء تاريخياً مُغلقاً وغير مسبوق مع المرجع الشيعي الأعلى السيّد علي السيستاني. حضره رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان الكاردينال الإسباني ميغيل أنخيل أيوسو والبطريرك الكلداني في العراق الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو.

هذا اللقاء التاريخي عُقد في منزل السيستاني المتواضع الذي يستأجره منذ عقود والكائن في حارة ضيّقة في مدينة النجف على بُعد 200 كلم الى جنوب بغداد، حمل عنوان «أنتم جزء منّا ونحن جزء منكم» في لفتة قوية تدعو للتعايش السلمي في أرض عصفت بها الطائفية والعنف. واكتسى طابعاً رمزيّاً كبيراً في خطوة تتماهى مع هدفه في تعميق الحوار الأخوي مع شخصيات دينية مهمّة، فقد مدّ بابا الفاتيكان يده الى المسلمين الشيعة بعد عامين من توقيعه «وثيقة الأخوة الإنسانية» مع إمام الأزهر، إحدى أبرز المؤسسات التابعة للمسلمين السنّة ومقرها مصر. وهي خطوة يرى فيها المراقبون تتمة أو استكمالاً لقمة أبوظبي التي عُقد في العام 2019.

وإذ مُنعت وسائل الإعلام من الدخول لتصوير اللقاء كون السيستاني لا يظهر الى العلن أبداً، باستثناء التلفزيون العراقي الذي التقط بعض الصور عنه، أفاد بيان صادر عن الفاتيكان بأن زيارة البابا فرنسيس للسيستاني استغرقت 45 دقيقة. وأكّد بابا الفاتيكان خلال اللقاء على «أهمية التعاون والصداقة بين الطوائف الدينية حتى نتمكّن، من خلال تنمية الاحترام المتبادل والحوار، من المساهمة في خير العراق والمنطقة للبشرية جمعاء».

وذكر بيان الفاتيكان أن اللقاء «كان فرصة للبابا لتقديم الشكر إلى آية الله العظمى السيستاني لأنّه رفع صوته مع الطائفة الشيعية في مواجهة العنف والصعوبات الكبيرة في السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الأضعف والأكثر اضطهاداً، مؤكّدين قدسية الحياة البشرية وأهمية وحدة الشعب العراقي».

في الوقت نفسه، صدر عقب اللقاء بيان عن مكتب السيّد السيستاني جاء فيه أنّه خلال اللقاء مع بابا الفاتيكان «دار الحديث حول التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية في هذا العصر ودور الإيمان بالله وبرسالاته والالتزام بالقيم الأخلاقية السامية في التغلب عليها».

وأضاف البيان أنّ السيستاني «تحدّث عمّا يعانيه الكثيرون في مختلف البلدان من الظلم والقهر والفقر والإضطهاد الديني والفكري وكبت الحريات الاساسية وغياب العدالة الإجتماعية، وخصوصاً ما يعاني منه العديد من شعوب منطقتنا من حروب وأعمال عنف وحصار إقتصادي وعمليات تهجير وغيرها، ولا سيما الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة».

وأشار إلى «الدور الذي ينبغي أن تقوم به الزعامات الدينية والروحية الكبيرة في الحد من هذه المآسي، وما هو المؤمل منها من حثّ الأطراف المعنيّة، ولا سيما في القوى العظمى، على تغليب جانب العقل والحكمة ونبذ لغة الحرب، وعدم التوسّع في رعاية مصالحهم الذاتية على حساب حقوق الشعوب في العيش بحرية وكرامة».

وأكّد على «أهمية تضافر الجهود لتثبيت قيم التآلف والتعايش السلمي والتضامن الانساني في كلّ المجتمعات، مبنياً على رعاية الحقوق والاحترام المتبادل بين أتباع مختلف الاديان والاتجاهات الفكرية». وأشار إلى «مكانة العراق وتاريخه المجيد وبمحامد شعبه الكريم بمختلف إنتماءاته»، وأبدى أمله بأن «يتجاوز محنته الراهنة في وقت غير بعيد».

وشدّد السيستاني على «أهمية أن يعيش المواطنون المسيحيون كسائر العراقيين في أمن وسلام وبكامل حقوقهم الدستورية». وأشار إلى «جانب من الدور الذي قامت به المرجعية الدينية في حمايتهم وسائر الذين نالهم الظلم والأذى في حوادث السنين الماضية، ولا سيما في المدة التي استولى فيها الإرهابيون على مساحات شاسعة في عدة محافظات عراقية، ومارسوا فيها أعمالاً إجرامية يندّى لها الجبين».

وكانت رُفعت في شوارع النجف لوحات عليها صور البابا فرنسيس والسيستاني مع عبارة باللغة الإنكليزية «اللقاء التاريخي»، كدليل على أنّها شكّلت «مصدر إعتزاز» للعراقيين. كذلك رُفعت في مطار بغداد الذي نزل به الحبر الأعظم، لافتة كبرى دعت الى التعايش والحوار بين الأديان. وإذ تلقّى البابا فرنسيس لقاحاً مضاداً لفيروس «كورونا» قبل فترة من رحلة الحجّ للعراق، لم يُشر مكتب السيستاني الى أنّه حصل على اللقاح من جهته.

لقاء الأديان في الناصريّة

بعد النجف، توجّه موكب البابا فرنسيس عند العاشرة بتوقيت بيروت جنوباً أيضاً الى مدينة الناصريّة مركز محافظة ذي قار، لترؤس والمشاركة في لقاء الأديان وفي صلاة مشتركة مع رجال دين شيعة وسنّة وإيزيديين وصائبة. وتقرّر إقامة الصلاة في مدينة أور الأثريّة وسط الصحراء كونها مسقط رأس النبي إبراهيم الذي وُلد في الألفية الثانية قبل الميلاد، في موقع مُستحدث الى جانب بيت إبراهيم الذي يُعتبر من المواقع الدينية المهمّة المناهضة للتطرّف، وذلك للتأكيد على أنّ العراق هي مهد المحبّة والتسامح والتعايش وملتقى الأديان. وبدا بيت إبراهيم على شكل مثلّث يحتوي على غرف صغيرة وممرّات وأقواس وغير مسقوف، وقد طرأ عليه تغيير كامل بعد إعادة البناء في محاولة للتمهيد لزيارة البابا فرنسيس.

ونُصبت في موقع لقاء الأديان منصّة مسقوفة ازدانت بباقات الزهور توسّطها قداسته وجلس من حوله رجال الدين من مختلف الأديان، وعُلقت شاشة كبيرة لمتابعة تفاصيل اللقاء الذي جرى الحفاظ فيه على التباعد الإجتماعي واتباع التدابير الوقائية من كوفيد 19، من خلال توسيع المقاعد وارتداء الكمامات.

بدأ اللقاء بقراءة من سفر التكوين، وبتلاوة سورة من القرآن الكريم. بعدها استمع البابا فرنسيس والمشاركون الى شهادات حيّة من شابين يافعين من البصرة في الـ 19 من العمر هما داوود وحسن اللذان تحدّثا عن خبرتهما في العيش المشترك في الدراسة والعمل منذ 8 سنوات رغم كونهما من ديانتين مختلفتين، في دعوة للأخوة والمحبة ونبذ الحرب والكراهية وقبول الآخر المختلف. كما قدّمت إمرأة تُدعى رفح حسن هلالي شهادتها باللغة الإنكليزية عن التعايش الأخوي بين جارين مسلم ومسيحي ضحّى أحدهما بحياته لإنقاذ عائلة جاره، وعن معاناة الحرب والتهجير التي لا توصف وعن تشبّثها بالبقاء في أرضها رغم كلّ هذه المعاناة. وكانت شهادة أخرى لأستاذ جامعي يُدعى علي ثجيل من مواليد منطقة أور الذي قام بتعريف العالم على أهمية مدينته التاريخية كبلد لمنشأ الأديان التي انطلق منها أبونا ابراهيم، وتحدّث عن عودة الحجّاج الى هذه المدينة.

كلمة البابا فرنسيس في أور الأثريّة

وألقى بابا الفاتيكان كلمة أمام لقاء الأديان شدّد فيها على الأخوّة والمحبة والعمل، على أن تصبح العائلة البشرية مضيافة تُرحّب بجميع أبنائها. وقال الأب الأقدس: «هُنا، حَيْثُ عاشَ أبونا ابراهيم، يَبْدُو وَكَأنَّنا نَعُودُ إلى بَيْتِنا. هُنا سَمِعَ ابراهيمُ دَعْوَةَ الله، وَمِن هُنا انْطَلَقَ في رِحْلَةٍ غَيَّرَتْ التاريخ. وَنَحْنُ ثَمْرَةُ تِلْكَ الدَّعْوَةِ وَتِلْكَ الرِحْلَة. قالَ اللهُ لإبراهيم: انْظُرْ إلى السَماءِ وأَحْصِ النُجُوم. في تِلْكَ النُجُومِ رأَى ابراهيمُ وَعْدَ نَسْلِه، لَقَدْ رآنا نَحْنُ. واليَوم، نَحْنُ اليَهُودَ والمَسِيحِيينَ والمُسْلِمين، مَعَ إخوَتِنا وأخَواتِنا مِنَ الدِياناتِ الأُخْرَى، نُكَرِّمُ أبانا ابراهيم وَنَعْمَلُ مِثْلَهُ: نَنْظُرُ إلى السَماءِ وَنَسِيرُ علَى الأرْض».

أضاف: «تُعْطِينا السماءُ رِسالَةَ الاتِحاد: يَدْعونا الإلَهُ العليّ، مِن فَوْق، إلى عَدَمِ الانْفِصالِ أبَدًا عَنِ الأخِ المُقيمِ إلى جانِبِنا. الله يَدْفَعُنا نَحْوَ أخينا المُختَلِفِ عَنَّا. فإذا أرَدْنا أنْ نُحافِظَ علَى الأخُوَّةِ بَيْنَنا، لا يُمْكِنُنا أنْ نُحَوِّلَ نَظَرَنا عَنِ السَماء (...) الإنسانُ لَيْسَ كُلّيَّ القُدْرَة، وَلا يَقْدِرُ أنْ يَعيشَ وَحْدَه (...). إنَّنا نَرْفَعُ أعْيُنَنا إلى السماءِ لِنَرْتَفِعَ فَوْقَ دُنْيا الأَباطيل، وَنَخْدُمُ اللهَ لِنَخْرُجَ مِن عُبُودِيَّةِ الأنا، لأنَّ اللهَ يَدْفَعُنا إلى المَحَبَّة. هذا هُوَ التَدَيُّنُ الحَقيقيّ: أنْ نَعْبُدَ الله وأنْ نُحِبَّ القريب. في عالَمِ اليَوم، الذي غالِبًا ما يَنْسَى اللهَ العَلِيَّ أو يُقَدِّمُ صُورَةً مُشَوَّهَةً عَنْهُ تَعالى، فإنَّ المُؤْمِنينَ مَدْعُوُّونَ لِيَشْهَدُوا لِصَلاحِه، وَلْيُبَيِّنُوا أُبُوَّتَهُ بأنْ يَكُونوا هُم إخْوَةً فيما بَيْنَهُم».

تابع البابا فرنسيس: «إنَّ اللهَ رَحيمٌ، وأَكْبَرَ إساءَةٍ وَتَجْديفٍ هيَ أنْ نُدَنِّسَ اسْمَهُ القُدُوس بِكَراهِيَةِ إخْوَتِنا. لا يَصْدُرُ العَداءُ والتَطَرُّفُ والعُنْفُ مِن نَفْسٍ مُتَدَيِّنَة: بَلْ هذِهِ كُلُّها خِيانَةٌ لِلْدِين. وَنَحْنُ المُؤْمِنين، لا نَقْدِرُ أنْ نَصْمُتَ عِندما يُسيءُ الإرهابُ إلى الدِين. بَلْ واجِبٌ عَلَيْنا إزالَةُ سُوءِ الفَهْم. لا نَسْمَحْ لِنُورِ السَماءِ أنْ تُغَطِّيَهُ غُيُومُ الكَراهِيَة! كانَتْ كَثِيفَةً، فَوْقَ هذا البَلَد، غُيُومُ الإرْهابِ والحَرْبِ والعُنْفِ المُظْلِمَة. وَعانَتْ مِنْها جَميعُ الجَماعاتِ العِرقِيَّةِ والدينيَّة. أَوَدُّ أنْ أذْكُرَ بِصُورَةٍ خاصَّة اليَزِيدِيّين الذينَ بَكَوا لِمَقْتَلِ الكَثيرينَ مِنْهُم، وَشاهَدُوا أُلوفَ النِساءِ والفَتَياتِ والأطْفالِ يُخْطَفُونَ وَيُباعُونَ كَعَبِيد، وَقَدْ أُخْضِعُوا لِلْعُنْفِ الجَسَدِيّ والارْتِدادِ الدينيّ الإجباري. نُصَلّي اليَوْمَ مِن أجلِ الذينَ تَحَمَّلُوا هذهِ الآلام، والذينَ ما زالوا في عِدادِ المَفْقُودِين والمَخْطُوفِين حَتَى يَعُودُوا إلى بُيُوتِهِم قَريبًا. وَنُصَلّي مِن أجلِ احتِرامِ حُرِّيَّةِ الضَّميرِ والحُرِّيَّةِ الدينيَّة والاعتِرافِ بِها في كُلِّ مَكان».

وذكّر بأنّه: «عِندما اجْتاحَ الإرْهابُ شَمالَ هذا البَلَدِ الحَبيب، دَمَّرَ بِوَحْشِيَّةٍ جُزءًا مِن تُراثِهِ الدينيّ الثَمين، بِما في ذَلِكَ الكَنائِسَ والأَدْيُرَةَ وَدُورَ العِبادَة لِمُخْتَلِفِ الجَماعات. وَلَكِنْ حَتَى في تِلْكَ اللحَظاتِ الحالِكَة، كانَتْ النُجُومُ تَتَألَّق. أُفَكِّرُ في الشَبابِ المُسْلِمين المُتَطَوِّعِين في المُوصِل، الذينَ ساعَدُوا في إعادَةِ تَرْميمِ الكَنائِسِ والأَدْيُرَة، وَبَنَوْا صَداقاتٍ أَخَوِيَّة علَى أنْقاضِ الكَراهِيَة، وأُفَكِّرُ في المَسيحيّينَ والمُسْلِمينَ الذينَ يُرَمِّمُونَ اليَوْمَ مَعًا المَساجِدَ والكَنائِس (..). إنّ الحَجُّ إلى الأماكِنِ المُقَدَّسَةِ أمر مهمّ وحُبُّها والمُحافَظَةُ عَلَيْها، ضَرُورَةٌ وُجُودِيَّة.. لِيُساعِدْنا أبونا ابراهيم أنْ نَجْعَلَ الأماكِنَ المُقَدَّسَة، لِكُلِّ واحِدٍ مِنّا، واحَةَ سَلامٍ وَمكانَ لِقاءٍ لِلْجَميع! فَهُوَ، بِأمانَتِهِ لله، صارَ بَرَكَةً لِجَميعِ الشُعُوب ولْيَكُنْ وُجُودُنا هُنا اليَوْم علَى خُطاه عَلامَةَ بَرَكَةٍ وَرَجاءٍ لِلْعِراق، والشَرْقِ الأوْسَط، والعالَمِ أجْمَع».

وتحدّث الحبر الأعظم عن مسيرة ابراهيم: «كانت مَسيرَةَ خُروج، وَفيها تَضْحِيات.. وفي مَسيرَتِنا، نَحْنُ أيضًا مَدْعُوُّونَ أنْ نَتْرُكَ رَوابِطَ وَعَلاقاتٍ تُغْلِقُ عَلَيْنا في مَجْمُوعاتِنا، فَتَمْنَعُنا مِن أنْ نُرَحِّبَ بِمَحَبَّةِ اللهِ اللامَحْدُودَة، وأنْ نَرَى في الآخَرينَ إخوَة. نَعَم، نَحنُ بِحاجَةٍ إلى أنْ نَخْرُجَ مِن أَنْفُسِنا، لأنَّنا نَحْتاجُ بَعْضُنا لِبَعْض. لَقَد جَعَلَتْنا الجائِحَةُ نَفْهَمُ أنَّ «لا أَحَدَ يَخْلُصُ وَحْدَهُ وَمَعَ ذَلِك، تُعاوِدُنا دائِمًا التَجْرِبَة، لِنَضَعَ المَسافاتِ بَيْنَنا وَبَيْنَ الآخَرين. والمَبْدأُ «لِيَنْجُ كُلُّ واحدٍ بِنَفْسِهِ»، يُصْبِحُ عاجِلًا: «الجَميعُ ضِدَّ الجَميع»، وِذَلِكَ أَسْوأُ مِنَ الجائِحَة. في العَواصِفِ التي نَمُرُّ بِها، لَنْ تُخَلِّصَنا عُزْلَتُنا، وَلَنْ يُخَلِّصَنا السِباقُ إلى التَسَلُّحِ وَبِناءِ الجُدْران. ذَلِكَ يَزيدُنا بُعْدًا بَعْضُنا عَن بَعْض، وَيَزيدُنا غَضَبًا وَكَراهِيَة. وَلَنْ تُخَلِّصَنا عِبادَةُ المال، التي تُغْلِقُنا على أَنْفُسِنا وَتُوْقِعُنا في هُوَةٍ عَميقَةٍ مِن عَدَمِ المُساواةِ تَغْرَقُ فيها البَشَريَّة».

وأشار الى أنّ «الطَريقُ الذي تُشيرُ إليْهِ السَماءُ لِنسيرَ فيهِ هُوَ طَريقٌ آخَر. إنَّهُ طَريقُ السَّلام. وَيَطْلُبُ مِنّا، خاصَّةً في العاصِفَة، أنْ نَجْتَهِدَ مَعًا بالاتِجاهِ نَفْسِه. بَيْنَما كُلُّنا نُعاني مِنَ الجائِحَة، وَبَيْنَما تَسَبَّبَتْ الصِّراعاتُ هُنا في شَقاءٍ كَثير، إنَّهُ مِن غَيْرِ اللائِقِ أنْ يَهْتَمَّ أَحَدٌ بِشُؤُونِهِ الخاصَّةِ فَقَط. لَنْ يَكونَ سَلامٌ بِدونِ مُشارَكَةٍ وَقُبولِ الجَميعِ لِلْجَميع، وَبِدونِ عَدالَةٍ تَضْمَنُ المُساواةَ والازْدِهارَ لِلْجَميع، بَدْءًا بالمُسْتَضْعَفِين. وَلَنْ يَكونَ سَلامٌ بِدونِ أنْ تَمُدَّ الشُعُوبُ يَدَها إلى الشُعوبِ الأُخْرَى. وَلَنْ يَكونَ سَلامٌ ما زِلْنا نَعْتَبِرُ الآخَرينَ أَنَّهُم آخَرُون، وَلَيْسُوا «نَحنُ»، جُزْءًا مِنّا. وَلَنْ يَكونَ سَلامٌ ما دامَتْ التَحالُفاتُ تَنْشَأُ ضِدَّ أَحَدٍ ما، لأنَّ تَحالُفاتِ البَعْضِ ضِدَّ البَعْض لا تَزيدُ إلّا الانْقِسامات. السَّلامُ ليْسَ فيهِ غالِبونَ وَمَغْلُوبون، بَلْ إخْوَةٌ وأَخَوات، يَسيرونَ مِنَ الصِّراعِ إلى الوَحْدَة.. لِنُصَلِّ وَلْنَطلُبْ هذا السَّلامَ لِكُلِّ الشَرْقِ الأوْسَط، وَأُفَكِّرُ بِشَكْلٍ خاصّ في سوريا المُجاوِرَة المُعَذَّبَة».

وأوضح: «كانَ أبونا ابراهيم نَبيَّ العَليّ، وَهُوَ الذي يَجْمَعُنا اليَوْمَ مُتّحِدِينَ مَعًا... فَمِنْ أينَ يُمْكِنُ أنْ يَبْدأَ طَريقُ السَّلام؟ بأَنْ نَعْمَلَ علَى ألَّا يَكونَ لَنا أعْداء. مَنْ كانَتْ لَهُ الشَجاعَةُ لِيَنْظُرَ إلى النُجُوم، وَمَن يُؤْمِنُ بالله، لَيْسَ لَهُ أعْداءٌ يُقاتِلُهُم. لَهُ عَدُوٌّ واحِدٌ فقط، هو العداوة. يَسْعَى البَعْضُ لِيَكونَ لَهُم أعْداء، أَكْثَرَ مِن سَعْيِهِم لِيَكونَ لَهُم أصْدِقاء، وَيَبْحَثُ كَثيرونَ عَن مَصالِحِهِم الخاصَّة علَى حِسابِ الآخَرين. إلّا أنَّ مَن يَتْبَعُ طُرُقَ الله، لا يُمْكِنُ أنْ يَكونَ عَدُوًّا لأَحَد، بَلْ هُوَ مِن أجلِ الجَميع. ولا يُمْكِنُ أنْ يُبَرِّرَ أيَّ شَكْلٍ مِن أشكالِ الهَيْمَنَةِ والظُّلْمِ والانتِهاك، وَلا يُمْكِنُ أنْ يَعْتَدِيَ علَى أَحَد» (..). بِعَوْنِهِ تَعالَى يُمْكِنُنا أنْ نُبَدِّلَ أنْفُسَنا نَحْوَ الأفْضَل. عَلَيْنا نَحْنُ إنْسانِيَّةَ اليوم، وَقَبْلَ كُلِّ شَيء، نَحنُ المُؤْمِنينَ مِن كُلِّ الأدْيان، أنْ نُحَوِّلَ أَدَواتِ الكَراهِيَةِ إلى أَدَواتِ سَلام. عَلَيْنا نَحنُ أنْ نَحُثَّ المَسْؤُولينَ عَنِ الشُعوب، وَبِشِدَّة، حَتَى يُبَدِّلُوا انْتِشارَ الأَسْلِحَةِ المُتَزايِدِ بِتَوزيعِ الغِذاءِ لِلْجَميع. عَلَيْنا نَحْنُ أنْ نُسْكِتَ الِاتِّهاماتِ المُتَبادَلة، لِنَسْمَحَ بِسَماعِ صُراخِ المَظْلومينَ والمُبْعَدِينَ عن هذا الكَوْكَب: كَثيرُونَ هُمْ المَحْرُومونَ! عَلَيْنا نَحْنُ أنْ نُسَلِّطَ الضَّوْءَ علَى المُناوَراتِ المَشْبُوهَة التي تَدُورُ حَوْلَ المال... عَلَيْنا أنْ نَحْرُسَ بَيْتَنا المُشْتَرَك مِن نَوايانا المُدَمِّرَة. عَلَيْنا نَحْنُ أنْ نُذَكِّرَ العالَمَ بأنَّ الحَياةَ البَشَريَّة قيمَتُها بِما هي، وليْسَ بِما تَمْلِك، وأنَّ حَياةَ الجَنين، وكِبارِ السِّن، والمُهاجِرين، رِجالًا وَنِساءً مِن كُلِّ لَوْنٍ وَقَوْمِيَّة، هيَ دائِمًا مُقَدَّسَة، وَقيمَتُها مِثْلُها مِثْلُ حَياةِ الجَميع!».

كانَتْ مَسيرَةُ ابراهيم بَرَكَةَ سَلام. لَكِنْ لَمْ تَكُنْ سَهْلَة: كانَ عَلَيْهِ أنْ يُواجِهَ مَعارِكَ وأحْداثًا غَيْرَ مُتَوَقَّعَة. أمامَنا نَحْنُ أيضًا طَريقٌ وَعْر، وَنَحْتاجُ، أنْ نَتَّخِذَ خَطَواتٍ مَلْموسَة، وأنْ نَحِجَّ نَحْوَ الآخَرِ حتَى نَكْتَشِفَ وَجْهَهُ، وأنْ نَتَبَادَلَ الذِكْرَيات، والنَّظَراتِ ولَحَظاتِ الصَّمْت، والقِصَصَ والخِبرَات. أثَّرَتْ فيَّ شَهادَةُ السَيِّدَين داوود وَحَسَن، مَسيحي وَمُسْلِم، دَرَسُوا مَعًا وَعَمِلُوا مَعًا وَلَمْ تُحْبِطْهُم الاخْتِلافات. مَعًا بَنَوْا المُسْتَقْبَل، واكْتَشَفُوا أنَّهُما أخوَة... هذا هُو الطَريق، خاصَةً لِلْشَبابِ الذينَ لا يَسْتَطيعونَ أنْ يَرَوْا أحْلامَهُم تَتَحَطَّمُ بِسَبَبِ صِراعاتِ الماضي! مِنَ الضَّرُوريّ تَنْشِئَتُهُم علَى الأُخُوَّة. وهذا أمْرٌ عاجِلٌ حقًّا، لأنَّهُ اللُقاحُ الأَكْثَرُ فَعَالِيَّةً لِبُلُوغِ غَدٍ فيهِ سَلام. لأَنَّكُم أَنْتُم، أيُّها الشَبابُ الأعِزّاء، حاضِرُنا وَمُسْتَقْبَلُنا!

وقال قداسته: «مَعَ الآخَرينَ فَقَط يُمْكِنُ أنْ تَلْتَئِمَ جِراحُ الماضي. تَحَدَّثَتْ السَيِّدَة رَفَح عَن مِثالِ ناجي البُطُوليّ، مِن طائِفَةِ الصابِئَةِ المَنْدائِيين، الذي فَقَدَ حَياتَهُ في مُحَاوَلَةٍ لإنْقاذِ عائِلَةِ جارِهِ المُسْلِم. كَمْ مِنَ الناسِ هُنا، في صَمْتِ العالَمِ وَعَدَمِ اهتِمامِه، بَدَأُوا رِحْلاتِ الأُخُوَّة!». وختم: «مِن هُنا، مَعًا، نُريدُ أنْ نَلْتَزِمَ حتَى نُحَقِّقَ حُلْمَ الله وَهُوَ: أنْ تُصْبِحَ العائِلَةُ البَشَريَّة مِضْيافَةً تُرَحِّبُ بِجَميعِ أبْنائِها. وإذْ نَنْظُرُ مَعًا إلى السَماءِ نَفْسِها، نَسيرُ بِسَلامٍ على الأرْضِ نَفْسِها».

بعد انتهاء كلمة البابا فرنسيس تلا أحد الكهنة صلاة للأب إبراهيم. واختتم «لقاء الأديان» بترانيم لجوقة أبرشية البصرة منها «إلهنا عظيم طريقه قويم» في دلالة على شكر البابا فرنسيس على زيارته والفرح الذي خلقته هذه الزيارة في نفوس العراقيين المؤمنين. ثم التُقطت صورة تذكارية للحبر الأعظم مع رجال الدين وممثلي الطوائف من أساقفة ومطارنة وشيوخ المشاركين في اللقاء. وتمّ تبادل بعض الهدايا التذكارية، ووقف البابا فرنسيس لإلقاء التحية وتبادل أطراف الحديث مع بعض الحاضرين الذين شكّل لهم هذا اللقاء، على ما عبّروا، يوم تجمّع سلمي للتوحيد والسلام، ويوم فرح لكلّ العراقيين ولمّ شملهم جميعاً من الشمال الى الجنوب.

القدّاس الإلهي في كاتدرائية مار يوسف للكلدان

ثمّ عاد البابا فرنسيس الى بغداد، ووصل عند الرابعة والنصف عصر أمس السبت بتوقيت بيروت الى كاتدرائية «مار يوسف» للكلدان حيث ارتفعت لافتة أمامها كُتب عليها «قلوبنا تُرحّب بك»، وجرى فرش السجّاد الأحمر في باحتها الخارجية وعلّقت شاشة كبيرة ليتمكّن المؤمنون من مشاهدة وقائع القدّاس الإلهي الأضخم الذي أقيم داخل الكنيسة. وانتظر طلّاب التعليم المسيحي البابا في الباحة الخارجية الذي ما إن ترجّل من سيارته حتى علت الهتافات والزغاريد والترانيم مردّدين عبارة «أهلاً وسهلاً بكَ بغداد تُحييكً» و»فيفا إيل بابا» باللغة الإيطالية أي «يحيا البابا»، وذلك ترحيباً بقدوم الضيف الكبير الذي حيّا وبارك الجميع. واستعدّ المؤمنون بالصلاة والتراتيل داخل الكنيسة، وقرع الأجراس وتجهّزوا لالتقاط الصور للبابا عبر هواتفهم الخليوية.. ودخل قداسته الى غرفة خاصّة للإستعداد لترؤّس القدّاس بمعاونة عدد من المطارنة.

وعند الخامسة (بتوقيت بيروت) احتفل قداسته بأول قدّاس إلهي له خلال زيارته الى العراق في كاتدرائية «مار يوسف» للكلدان، الحديثة العهد نسبة الى الكنائس العراقية، التي زُيّن مذبحها بباقات جميلة من الورود، في حضور رسمي ضمّ رئيس الجمهورية العراقية برهم صالح وعقيلته، ورئيس البرلمان محمّد الحلبوتي ورئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي وسواهم، ورجال دين وإعلاميون ومؤمنون أتوا من مختلف رعايا بغداد. وتميّز القدّاس بأنّه تُلي للمرة الأولى بحسب الطقس الكلداني وباللغات العربية والكردية والتركمانيّة والإيزيديّة والآرامية التي تحدّث بها السيّد المسيح ولا يزال عدد من العراقيين ينطقون بها، وليس بحسب الطقس اللاتيني كما هو معتاد، فيما تحدّث البابا فرنسيس باللغة الإيطالية. وخدمت القدّاس جوقة الرعية ورنّمت تراتيل إبتهالية للآب، وترنيمة خاصّة للمناسبة بعنوان شعار زيارة البابا «أنتم جميعكم أخوة». هذا وقامت عناصر الشرطة الإتحادية بتفتيش حميع المؤمنين والإعلاميين المحليين والدوليين قبل دخولهم الكنيسة لضمان أمن البابا.

عظة البابا: «من يُحبّ يُجيب على الشرّ بالخير»

وألقى البابا فرنسيس في عظته التي وُزّعت على الحاضرين المشاركين في القدّاس مترجمة للغة العربية شدّد فيها على أهمية المحبّة وعيش التطويبات ووعود الله. قال فيها: «إنّ البحث عن الحكمة سكن الإنسان دائماً، ومع ذلك في كثير من الأحيان مَن كثرت إمكاناته هو الذي زاد كسبه للمعارف وزادت فرص الحياة أمامه، أمّا الذي قلّت إمكاناته فقد تُرك جانباً وصار مهمّشاً. وهذا أمر لا يُمكن القبول به مع أنّ عدم المساواة هذه قد اتسعت اليوم وزادت، لكن يُفاجئنا «سفر الحكمة» ويعكس وجهة النظر فيقول «إنّ الصغير أهل الرحمة، أمّا أرباب القوّة فبقوّة يُفحصون». في نظر العالم مَن لديه القليل يُنبذ ويُهمّش ومن لديه الكثير فهو المميّز. أمّا في نظر الله فيخضع لامتحان صارم والآخرون هم المميّزون لدى الله».

وأضاف: «يُكمل يسوع الحكمة المشخّصة هذا الإنقلاب في الإنجيل وليس في أي لحظة، ولكن منذ البداية في أول خطاب له في التطويبات. فالإنقلاب كامل قال إنّ الفقراء والبائسين والباكين والمضطهدين هم المطوّبون. كيف يُمكن أن يكون ذلك؟ في نظر العالم الأغنياء والأقوياء وأصحاب الشهرة هم المطوّبون. له قيمة مَن يملك ومَن يقدر ومن كان مُعتبراً. ليس كذلك في نظر الله. في نظر الله ليس الكبير من يَملك بل الفقير في الروح، ليس الذي يقدر أن يفرض كلّ شيء على غيره بل الوديع مع الجميع. ليس من تهتف له الجموع بل مَن يرحم أخاه. هنا يُمكن أن يراودنا شكّ وسؤال: إن كنت أعيش كما يطلب يسوع، ماذا أكسب من ذلك، ألا أخاطر بأن أدع الآخرين يدوسونني تحت أقدامهم؟ عرضُ يسوع هل هو مناسب أم خاسر؟ عرض يسوع ليس خاسراً لكنّه حكيم. هو حكيم لأنّ المحبّة التي هي قلب التطويبات حتى لو بَدَت ضعيفة في نظر العالم فإنّها في الواقع تنتصر. بيّن يسوع على الصليب أنّه أقوى من الخطيئة وفي القبر هَزَم الموت. إنّها المحبة نفسها التي جعلت الشهداء ينتصرون في المحنة، وكم كانوا كثيرين في القرن الماضي، أكثر منهم في القرون الماضية».

وأكّد البابا على أنّ «المحبة هي قوّتنا وقوّة أخوة كثيرين لنا وأخوات عانوا هنا أيضاً من أحكام مسبقة وإساءات وسوء المعاملة والإضطهادات من أجل اسم يسوع. وبينما تزول قوّة العالم ومجده وأباطيله، المحبّة تبقى كما قال لنا الرسول بولس. المحبّة لا تسقط أبداً. العيش بحسب التطويبات، وبالتالي أن نجعل الزمنية العابرة أبدية وأن نُنزل السماء الى الأرض. ولكم كيف نعيش منّا التطويبات؟ لا يقتضي منّا الأمر أن نقوم بأشياء غير عادية أو بأعمال تفوق قدراتنا، ما يُطلب منّا هو شهادة حياتنا اليومية. طوبى لمن يعيش بوداعة، ولمن يُمارس الرحمة أينما كان ومن يحتفظ بقلبٍ نقيّ حيثما كان. حتى نكون مطوّبين ليس من الضروري أن نكون أبطالاً بين الحين والآخر، بل أن نكون شهوداً كلّ يوم. الشهادة هي الطريق لتجسيد حكمة يسوع. هكذا يُغيّر العالم. ليس بالسلطان أو بالقوّة بل بالتطويبات لأنّ هذا ما فعله يسوع. عاش حتى النهاية ما قاله منذ البداية».

وتابع البابا فرنسيس: «كلّ شيء يكمن في الشهادة لمحبّة يسوع، تلك المحبّة التي وصفها القديس بولس الذي قال أوّلاً «إنّ المحبّة تصبر»، تبدو المحبّة مرادفة للصلاح وأعمال الخير، مع ذلك قال بولس أنّها قبل كلّ شيء صابرة. ورد ذلك في الكتاب المقدّس في الكلام على صبر الله، ظلّ الإنسان عبر التاريخ يخون العهد مع الله ويقع في خطاياه المعتادة، والله لم يتعب ولم يترك الشعب بل بقي أميناً وغفر وبدأ من جديد. الصبر والبدء من جديد في كلّ مرّة هو الصفة الأولى للمحبة لأنّ المحبّة لا تغضب بل تنطلق دائماً من جديد ولا تحزن، بل تفرح ولا تيأس بل تبقى خلّاقة وأمام الشرّ لا تستسلم ولا ترضخ، من يُحبّ لا ينغلق على نفسه عندما تسوء الأمور بل يُجيب على الشرّ بالخير».

وقال: «يمكن أن نسأل أنفسنا: وأنا كيف أتصرّف أمام المواقف الصعبة؟ أمام الشدائد تراودنا تجربتان، الأولى هي الهروب، والتجربة الثانية هي اللجوء الى الغضب والقوّة. هذا ما حدث للتلاميذ في الجسمانية. لكن لا الهرب ولا السيف أفاد شيئاً أمّا يسوع فقدّ غيّر التاريخ بقوّة المحبّة المتواضعة وبشهادته الصابرة».

ورأى بأنّ حكمة يسوع التي تجسّدت في التطويبات تطلب الشهادة وتعد بالمكافأة التي تتضمّنها الوعود الإلهية. فكلّ تطويبة يتبعها وعد، فمن عاش بحسبها كان له ملكوت السماوات أو العزاء أو سيرى الله. وعود الله تضمن فرحاً لا مثيل له ولا تُخيّب الآمال. لكن كيف تتمّ ؟ من خلال ضعفنا. هذا هو الطريق ولا يوجد طريق آخر غيره. لننظر الى وعود الله الى ابراهيم وموسى ومريم العذراء وبطرس وما حصل مع كلّ منهم. لا نصدّق ذلك لأنّ الله يريد أن يصنع العجائب بالتحديد من خلال ضعفنا».

وختم قداسته: «قال لنا يسوع في هذا المساء 8 مرّات «طوبى» حتى نفهم أننا طوباويون حقّاً معه. نحن معرّضون للمحن ونقع كثيراً لكن يجب ألاّ ننسى مع يسوع نحن طوباويون. ما يسلبه العالم منّا لا يُقارن بالحبّ الحنون والصابر الذي به يُكمّل الربّ وعوده لنا... ربما تنظر الى يديك فتراها فارغة ويتسرّب الى قلبك عدم الثقة ولا تشعر بأنّ الحياة تُعوضّك، ولكن لا تخف فالتطويبات هي لك أنت الحزين والجائع والعطشان للعدالة والمضطهد. وعدك الرب أنّ اسمك مكتوب في قلبه في السماوات وأنا أشكره اليوم معكم ومن أجلكم لأنّه هنا حيث نشأت الحكمة في القديم ظهر في هذه الأوقات شهود كثيرون غالباً ما تتجاهلهم الأخبار والإعلام ولكنّهم أعزاء في عين الله، إنّ الذين يعيشون التطويبات هم أعوان الله يساعدونه بتحقيق وعده بالسلام».

ووجّه بطريرك الكلدان في ختام القدّاس كلمة شكر لقداسته تحدّث فيها عن أهمية الزيارة الناجحة الى العراق ومدى انعكاسها الإيجابي على شعبها وعلى المسيحيين فيها.

برنامج اليوم الختامي

هذا ويتوجّه الحبر الأعظم صباح اليوم الأحد في 7 آذار الجاري باكراً في اليوم الختامي لزيارته من بغداد إلى إربيل حيث سيلتقي في قاعة الشرف الرئاسيّة في مطار إربيل بالسلطات الدينية والمدنيّة في إقليم كردستان العراق وسيكون في استقباله كبار المسؤولين في حكومة الإقليم الممتنّين للتعاون الإستثنائي الذي حصل بين الكنيسة والحكومة لإنجاح هذه الزيارة. على أن يتوجّه بعدها إلى الموصل القديمة التي كانت تقطنها نحو خمسة آلاف عائلة مسيحية في العام 2013 وأصبحت اليوم 70 عائلة فقط حيث سيتوقف في «حوش البيعة» للصلاة عن راحة نفوس ضحايا الحرب وسيتمكّن العالم من مشاهدة الدمار الذي حلّ بمدينة الموصل ما قد يحثّ الدول المانحة على التدخّل ومد يدّ المساعدة من أجل إعادة إعمارها. ثمّ سينتقل قداسته إلى كنيسة «الطاهرة» الكبرى في قره قوش (أو بغديدا كما يُسمّيها أهلها) وهي أكبر كنائس العراق حيث سيتلو صلاة التبشير الملائكي مع المؤمنين؛ على أن يعود إلى إربيل حيث سيحتفل عصر اليوم بالقداس الإلهي الذي سيكون الحدث الأهمّ والأكبر في ملعب «فرنسو حريري» في عينكاوة الذي بدأت الإستعدادات له منذ فترة. غير أنّ وباء «كورونا» منع 25 ألفاً من حضوره، وجرى الإكتفاء بتجهيز الساحة لتجمّع 10 آلاف شخص فقط من إربيل وسهل نينوى نظراً لتفشّي الفيروس بشكل كبير، على أن يتمّ الإلتزام بمعايير التباعد الإجتماعي ووضع الكمّامات واستخدام السوائل المطهّرة من قبل الحضور حفاظاً على سلامة الجميع.