في قصيدته الأشهر «الأرضُ اليباب» التي أثرتْ تأثيراً مركزياً على أدب القرن العشرين على مستوى العالَمَيْن العربي والغربي، يعتبر الشاعر الأنغلوسكسوني ت.س. إليوت أن نَيْسان هو أقسى الأشهر لأن الربيع يُحْيي الأرض الخامدة ويبعث في الجذور الميتة لزهرِ اللَّيْلك خلجات الذكريات الأليمة، بما فيها ذكرياتُ الحرب التي انطمرَتْ في صقيع النسيان.

مدْعاةُ هذا التمهيد أن ما تحَدثَ عنه إليوت ينطبق على يَباب لبنان بل على بَوَاره وقحطه، حتى في نيسان الذي هو أجملُ الأشهر لا أقساها. وإليوت - الذي نال جائزة نوبل للآداب عام 1948 - خاض رباعيات الخيام وكوميديا دانتي وتشذيبات باوند لقصيدته المُغرِقة في بعض التفاصيل ، قبل أن يعود ويحذف منها  كَمّاً من النوافل. أي أن إليوت لم يُصَدِّر مطلع نصه المشار إلى خلاصته أعلاه، إلا بعد أن تَخَمَّرَتْ تجربته الثقافية في معجن الروائع .

ولعلَّ أكثر ما يجرحنا في المشهد الثقافي الراهن في بلادنا هوأن الجعجعة كثيرة والطحين قليل، لا في الشِّعر والنثر فقط  بل في الفكر والفن والسياسة والكياسة والإجتماع والإختراعات العِلمية والوعي الخلاق... دليلنا على ذلك الإفلاس الروحي قبل المادي، والفراغ الإبداعي المخيف بعد أن رَحَلَتْ قامات، وهاجَرَتْ طاقات، وجُهِّلتْ أجيال لا تجد فيها من يُتْقن لغته الأم أو من يهمُّه الإستنارة بتوهجاتها أو بِنِتاج أعلامها المشهود لعلاماتهم الفارقة في البصمات الحضارية والإضافات.

لقد هَزُلَ الجسد المُدَمّى حتى كاد يصح فيه قولُ الشاعر الضريرِ- البصير أبي العلاء المَعَري: «وبصيرُ الأقوام مثليَ أعمى/ فَهَلُمُّوا في حِنْدِسٍ نتصادمْ». فهل وصل بنا التخبط والبلبلة والسّادية والحقد وموت الضمير إلى ظلام ليس منه مَخرَج؟

نعم ، لقد هَزُلَتْ حتى باتت غالبيتنا تتفرج على المزرعة وهي  تُنْهَب، وعلى الضّرع وهو يجفّ، وعلى السفينة وهي تغرق، وعلى سِفاح السياسة وهي تلد أتراباً غير شرعيين، وعلى عدوان النَّيْرونِيين الجدد من أحفاد دراكولا وهُمْ يُجْهِزون بدمٍ بارد على الفلول، من المواطنين الذين ظنوا في غمرة الثقة الخؤون، أنهم محمِيّون في دولةٍ  فَقَدَتْ-منذ الغفلة الطويلة- حُراسها القُدوات.