«القتال على لقمة العيش» هكذا بدا المشهد في التعاونيات والمراكز التجارية على مدة أسبوع، مواطنون يتهافتون بشكل يومي لتخزين السلع المدعومة خوفا من انقطاعها أو ارتفاع سعرها، متناتشين أكياس الحليب والسكر والزيت، وسط تحليق دراماتيكي لسعر صرف الدولار في السوق السوداء.

غيّرت الأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان منذ عام 2019، أسلوب حياة اللبنانيين ونمط استهلاكهم، فارضة عليهم الاستغناء عن العديد من السلع التي كانت لا تفارق منزلهم، كلحم الغنم والخنزير والجبنة الصفراء أو الفرنسية والشوكولا والحليب والبهارات والمكسارات والمشروبات الغازية والشاي أو القهوة المعالجة والكحول، أو استبدال بعضها بأخرى أقل جودة ونوعية ومن هذه السلع نذكر الزيت، الصابون وورق الحمام والمحارم وسائل الاستحمام وغسول الشعر والصبغة ومساحيق التجميل، حيث امتلأت الأسواق اللبنانية بالبضائع التركية والسورية الأرخص نسبيا من غيرها، ولو أن طعمها أو جودتها تختلف عما اعتاد عليه ذوق اللبنانيين.

وفيما كان من المفترض أن تجد السلع الوطنية بالأزمة فرصة لتصريف إنتاجها، لم يستطع معظمها الصمود كونه لا يمتلك المقومات المطلوبة، فإن كانت بعض المنتجات الاستهلاكية تنتج في لبنان إلا أنّ تعليبها يتطلب استيراد مواد من الخارج وفق سعر صرف السوق السوداء.

وسط هذا الوضع المريب ماذا ينتظر اللبنانيون على صعيد أسعار السلع؟

يجيب رئيس نقابة أصحاب «السوبر ماركت» في لبنان نبيل فهد لـ «الديار» ويقول «لا نتحمّل كأصحاب سوبر ماركت مسؤولية رفع أسعار السلع، فالسلع المستوردة يتم تسعيرها بالدولار وفق سعر صرف السوق السوداء وما من قرار للسوبر ماركات برفع الأسعار بل القرار في هذا الشأن يخص المستوردين أو المصنعين وهذه الأسعار مثبتة بالليرة ونسعرها وفق المنافسة في الأسواق».

ولفت فهد إلى أنّ «المورّدين أرسلوا لائحة بالأسعار الجديدة للسلع وقد بدأ العمل بها منذ الأسبوع الماضي حيث ارتفعت الأسعار بين الـ5 والـ12% وفق سعر صرف السوق السوداء الذي كاد أن يلامس الـ10 آلاف ليرة في الأسبوع الماضي ومع تخطّي سعر صرف الدولار في السوق السوداء عتبة الـ10500 ليرة سيتم مراجعة جديدة للأسعار التي سترتفع بدورها من جديد، والعملية ستستمر على هذا الحال حتى تثبيت سعر صرف الدولار».

وأشار إلى أنّ «البيع ضعيف وسط انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما يمنع بعض الشركات عن رفع الأسعار، لتامين تصريف إنتاجها قبل انتهاء الصلاحية ولو أن السعر اوطى من الكلفة أحيانا».

وبخصوص السلع المدعومة يشرح فهد أنها «تقسم إلى قسمين القسم الأول يتعلق بالسلع النهائية المدعومة على سعر الـ3900 كالسكر والأرز والطون والنيسكافي، والكوفيمايت والتي لن يتغير سعرها، فيما القسم الثاني كالمواد الأولية التي تستخدمها المصانع في صناعة السلع كالزيت والحليب فستتغير أسعارها بنسبة ضئيلة لان المنتج نفسه مكون من مواد أولية مدعومة وأخرى غير مدعومة».

وفيما يتعلّق بمسألة تخزين بعض «السوبر ماركات» السلع المدعومة بهدف بيعها في وقت لاحق بسعر أعلى أوضح فهد أنّ «مسألة تخزين السلع المدعومة هدفها تأمين توزيع عادل لجميع المواطنين على مدى أيام الأسبوع بمحاولة لحصر أعداد السلع وتقنينها منعا لأن يأخذ الفرد حصّة الآخر وليس كما يروج البعض، ناقلا حديث البعض عن وجود عصابات أصحابها من الجنسية السورية تجول على السوبر ماركت لشراء البضاعة المدعومة وتهريبها إلى سوريا أو تخزينها وإعادة بيعها».

أمّا تغيّر مذاق بعض السلع فأعاده النقيب إلى أسباب ثلاثة «أولا العامل النفسي للمستهلك وثانيا وجود سلع مزورة وثالثا نقل بعض المصانع عملها من أوروبا إلى مصر وتركيا حيث تستخدم معايير مواد أخرى ولو أن مواصفاتها الصحية هي نفسها، كما يتم تغيير حجم التغليف ليتلاءم مع القدرة الشرائية للمواطن»، ويؤكّد أنه «ما من قرار رسمي لتوقيف الدعم عن المواد الحالية ولكن عمليا هناك رفع دعم بطريقة غير رسمية».

في الختام، يصعب التفاؤل بما سيكون بانتظار اللبنانيين في المستقبل القريب، فالأزمة لم ترحم الفقراء والمحتاجين في لبنان، لا بل زادت وضعهم سوءا، فبعد تجاوز نسبة البطالة الـ 65% من حجم القوى العاملة البالغة نحو مليون و794 ألف عامل، ومع تخطي معدل الفقر نسبة الـ 55%، أصبح تأمين أبسط متطلبات العيش الكريم من المواد الغذائية الأساسية مسألة صعبة، يحيطها الخوف من مستقبل سوداوي قد يخبئ ما هو أسوأ بعد.