يمثّل سطوع النجم الروسي في زمن ركودٍ وارتباك، يخيم على الإمبراطورية الأميركية، بارقة أمل لمنطقتنا وبلداننا العربية. فهذه القوة العالمية الصاعدة والمؤثّرة، تميزت تاريخيا، ولا سيما في العقود الأخيرة، بمناصرتها للقضايا العربية وخصوصا قضية فلسطين، وبدعمها لحركات المقاومة وقوى التحرّر العربية، ولإرادة الاستقلال والتنمية في منطقتنا.

أولا: إن صعود القوة الروسية عالميا، وديناميكية السياسة الخارجية الروسية في منطقتنا يمثّلان فرصة مهمة للمنطقة العربية ولبلدانها، وبالذات لمحور المقاومة، الذي تربطه علاقات صداقة وتحالف مع الأصدقاء الروس، ولا سيما كل من إيران وسورية وحزب الله. إن مصلحة روسيا في تصحيح التوازن العالمي وكبح جموح الغطرسة الاستعمارية الأميركية وعدوانيتها في العالم، تجعل من موسكو حليفا طبيعيا لجميع الحكومات الحرة وقوى التحرّر، ولا سيما في الشرق العربي، الذي يعاني من تبعاتٍ وآثارٍ خطيرة أنتجها الانحياز الأميركي السافر للكيان الصهيوني طيلة العقود الماضية. وكانت روسيا على الدوام وما تزال في موقع النصير والحليف لقضية فلسطين وسائر القضايا العربية. واليوم تمثّل المواقف الروسية الداعمة لسورية، قلعة المقاومة والتحرّر المشرقية، ركيزة ودعامة حاسمة لصمود منطقة المشرق العربي في وجه الغطرسة الاستعمارية الأميركية الداعمة للكيان الصهيوني، والساعية الى تفعيل حروب التدمير، التي اجتاحت منطقتنا على يد قوى التكفير والإرهاب، وهي كانت بالأصل حروبا أميركية بالواسطة. بينما كانت روسيا رأس حربة عالمية في وجه التكفير والتوحّش ومخاطر تلك الغزوة على البشرية.

وقائع السنوات الأخيرة تشهد لحكمة روسيا وحرصها ودورها البناء، الذي يعمل في مصلحة المجتمع البشري ولخدممة شعوب الشرق واستقلال بلدانها وحقّها في حياة حرّة وكريمة بعيدة عن الإملاءات الاستعمارية الغربية، وهذا سر العطف الخاص، الذي تنظر به شعوب الشرق الى الدور الروسي والمواقف الروسية بصورة لافته.

ثانيا: إن روسيا هي دولة لا ماضي استعماريا لها في منطقتنا وفي العالم، وهي تطبّق سياسة منهجية، تقوم على معايير العدالة وعدم التدخل ودعم مبدأ السيادة الوطنية للدول في بلدانها والتصدّي لخطط الهيمنة والإملاءات، التي تهدّد سيادة الدول واستقلالها. والمعايير التي تعتمدها القيادة الروسية في سياستها ومواقفها تجاه منطقتنا وبلداننا تجعل منها حليفا موثوقا، يمكن التعويل على دعمه وتعاطفه مع قضايانا العادلة، وعلى دوره البنّاء في لجم الأثر التخريبي للسياسات الاستعمارية الغربية. ويمكن، في ظل التوازنات الجديدة على الصعيد العالمي، أن يشغل الدور الروسي البنّاء حيّزا مهما في الفضاء الدولي وفي المنطقة بشكل خاص، تستفيد منه البلاد العربية والقضايا العادلة لمنطقتنا ضد الهيمنة الاستعمارية وحروبها، التي أنهكت شعوب الشرق واستنزفت العرب لسنوات طويلة.

وقد انتهت الغزوات الأميركية - الغربية الى اعتماد حروب التآكل والتدمير كوسيلة لمنع قوى التحرّر من النهوض في شرقنا العربي. وهذا هو مضمون الغزوة الاستعمارية المعاصرة، ولا سيما ضد سورية والعراق، وكذلك محتوى ما تمثّله السياسة الأميركية والغربية نحو لبنان واليمن، وحيث تبدو، وسط المعمعة، وخلف غبار المعارك، ميزة المواقف الروسية الملتزمة بمباديء السيادة والاستقلال والحرص على إيجاد الحلول البناءة للأزمات والمشاكل الضاغطة على أساس العدالة والاستقلال ورفض الهيمنة.

ثالثا: إن الديناميكية الروسية في منطقتنا تمثّل فرصة مهمة لأنها تحفّز ولادة بيئة مناسبة لتقدُّم خيار التحرّر والاستقلال، ولترجيح كفّة منطق العدالة والتكافؤ بعيدا عن سلوكيات الأطماع والهيمنة، التي ميّزت هجمة الغرب الاستعماري تجاه بلداننا وحكوماتنا وقضايانا.

إننا نوجّه الدعوة الى جميع القوى الوطنية والحكومات الاستقلالية الحرة للعمل بكل الوسائل من أجل توسيع نطاق الشراكات الروسية العربية، وتطوير مستويات التعاون السياسي والدبلوماسي مع موسكو. فذلك هو بعد رئيسي، لا غنى عنه، لبلورة  توازنات جديدة تحضن إرادة الاستقلال والتحرّر في منطقتنا. وسيكون من شأن تطوير الشراكات العربية - الروسية، وتوسيع نطاق المصالح المشتركة أن يمثّل عامل نهوض، يعزّز إرادة الاستقلال ويلجم التسلط الغربي. وهذه فرصة لا بدّ من توافر الإرادة السياسية لالتقاطها، ولا سيما على صعيد حركات المقاومة وقوى التحرّر العربية، التي يمكنها الاستناد الى دعم روسي كبير معنوي ومادي، لا غنى عنه في تصحيح المعادلات وبناء توازنات جديدة في وجه الغطرسة الاستعمارية الأميركية. ولذلك فإن تطوير العلاقات بين محور المقاومة والاتحاد الروسي، هو مهمة عاجلة ومستحقة، تستدعي توحيد الجهود بين سائر أطراف محور المقاومة للارتقاء بمستوى الشراكة مع الأصدقاء الروس اقتصاديا وسياسيا وعسكريا.