الانفتاح العربي والدولي يتزامنان مع الانتخابات الرئاسية في حزيران


قرار الانفتاح العربي على سوريا اتخذ وبات مؤكداً حضورها القمة العربية في الجزائر بعد تأجيلها من أواخر آذار إلى الصيف، وهذا القرار اتخذ في اجتماع الجامعة العربية الأخير بدعم مصري واماراتي وتونسي ومغربي وجزائري وعراقي ولبناني وبغطاء سعودي اعلنه وزير الخارجية السعودي بشكل واضح وصريح لاول مرة عن ضرورة عودة سوريا إلى الجامعة العربية خلال لقائه مع لافروف، حتى أن الموقف القطري حمل ليونة تجاه دمشق وهذا التطور شمل الموقف التركي عبر جهد روسي كبير.

القرار العربي بالعودة إلى سوريا خلا من اي شروط، حتى من ربط الانفتاح العربي على دمشق بانسحاب إيران وحزب الله والحشد الشعبي لم يتم التطرق له، بل ركز القرار العربي على ادانة التدخلات التركية، ووصف الجيش التركي بأنه جيش احتلال، كما تحدث عن فشل الحلول العسكرية والتأكيد على الحل السياسي.

لكن اللافت وحسب مصادر متابعة للملف السوري، ان الانفتاح العربي يأتي بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية وعودة الرئيس بشار الأسد إلى الحكم كونه المرشح الاقوى، وهذا الانفتاح في هذا التوقيت يشكل غطاء عربيا لعودة الأسد، كما ترجم عبر تلقى الأسد اتصالات من قادة وامراء عرب ومسؤولين اوروبيين والرئيس الصيني اطمأنت إلى صحته بعد إصابته وزوجته بوباء الكورونا، اما الرعاية الروسية والايرانية كانت شاملة.

كما تزامن الانفتاح العربي مع رسائل اوروبية لدمشق حملت تأكيدات على عودة بعثاتها الديبلوماسية قريباً لكن وزارة الخارجية السورية رحبت في هذا الانفتاح مع التأكيد على رفضه اذا تضمن اي شروط، علما ان الرئيس الفرنسي ماكرون ودوائر الفاتيكان رعيا رسالة من 200 شخصية مسيحية عالمية إلى الإدارة الأميركية الجديدة تطالب بالغاء قانون قيصر الظالم على الشعب السوري وقد تركت الرسالة اثرها عند الرئيس بايدن الكاثوليكي، لكن المضحك ان 49 ناشطاً مسيحياً معظمهم من اللبنانيين ومن ضمنهم بعض الناشاطين الإسلاميين وبعض الشخصيات القبطية ردوا على الرسالة برسالة مضادة للإدارة الأميركية تحذر من رفع قانون قيصر وتؤيد الحصار على الشعب السوري، ولم تلقَ الرسالة اي اهتمام، لكن المشكلة ان بعض اللبنانيين وتحديدا من القيادات المسيحية لم يتعظوا من تجارب الماضي وما خلفت على لبنان والمسيحيين من دمار ومآس كبيرة والإصرار على الانخراط في لعبة الامم وتفجير البلد مع كل استحقاق رئاسي. كما أن هذه القيادات لم تستوعب ان الفاتيكان تدخل شخصيا لعقلنة بعض الخطابات والطروحات وعودة الأمور إلى مسارها الطبيعي.

اما بالنسبة للموقف الأميركي فلم يتبلور بعد، لكن الثابت ان الإدارة الجديدة ترفض سياسة التجويع، مع صدور مواقف عن مسؤولين أميركيين تطالب بالانفتاح على دمشق ويقود وجهة النظر هذه مراكز الدراسات المؤثرين في السياسة الأميركية، لكن الإدارة الجديدة ستحدد توجهاتها على اساس كيفية مواجهة روسيا والصين في سوريا والملف التركي الكردي والاساس امن اسرائيل ووجود حزب لله وخطره على دولة العدو وبالتالي فإن الملف السوري سيبقى متشعبا في اطاره السياسي فقط.

كما أن روسيا نزلت بكل ثقلها ورمت اوراقها لحل الملف السوري خلال الأسبوعين الماضيين وتحديداً مع الإمارات والسعودية وقطر وتركيا، وهذه الدول أعلنت دعمها للتحركات الروسية والدولية لحل الأزمة السورية، وكشفت الإمارات عن إعادة اعمار سوريا بإشراف الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، كما أعلنت الرياض ان سوريا بلد شقيق وسندعم الحل، اما أمير قطر فاشار إلى أنه حان الأوان لحل الأزمة السورية بالطرق السياسية.

وتؤكد المصادر المتابعة للملف السوري، ان العرب اقتنعوا، ان التراجع في دورهم كان بسبب ما اصاب سوريا واضعاف جيشها، وكان المحور السعودي السوري المصري ضمانة لقوة الحضور العربي، وان الدورين الإيراني والتركي تقدما مع أضعاف سوريا، ووجهة النظر هذه نقلت إلى قيادات لبنانية والتي سمعت أيضا كلاما بأن ما اصاب لبنان ليس مرده فقط إلى الممارسات السورية بل إلى وجود طبقة حاكمة فاسدة نقلت لبنان من أزمة إلى أزمة، ولن يقدم العرب «فلسا واحدا» لهذه الطبقة، وقد بدأ بعض العرب الانفتاح على قيادات جديدة َخارج الطقم التقليدي، ولم تعد خافية رسائل الود السعودية والإماراتية والمصرية والعربية تجاه رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب، وربما تولى وهاب نقل رسائل من هذه الدول إلى دمشق، وهناك تسريبات عن اجتماع عقد في ابوظبي بين الحريري ووهاب برعاية اماراتية رغم ان الخبر لم يتم نفيه او تأكيده، كما طال الود السعودي جعجع، وهذا ما حمل جنبلاط على انتقاد السعودية لدعمها جعجع والإمارات لمساعدتها لوهاب، ورغم اعتذار جنبلاط عن التصريح لكن رسالته وصلت وارتفعت َوتيرتها مع قراره بعودة التواصل مع حزب الله، «سبحان مين مغير الاحوال» فوهاب في الإمارات والرياض والقاهرة وجنبلاط في حارة حريك، ويبدو أن وهاب «تقمص» تبدلات جنبلاط رغم تأكيده ان علاقته استراتيجية وثابتة مع المقاومة، وان علاقاته العربية تطورت بعد انفتاحها على دمشق.

كل ما يجري يؤكد ان الربيع العربي انهار وانتهى، وهناك مرحلة جديدة على المنطقة مغايرة جذربا، وقد تعيد سوريا كلاعب اساسي، ويبدو أن مصلحة الأميركيين والاوربيين والخليجيين تقضي بذلك ومن يضمن نتيجة المازق في لبنان عدم عودة الدور السوري إلى هذا البلد برعاية عربية ودولية اذا كان ذلك يؤمن الاستقرار ويحفظ مصالح كل اللاعبين.