المعجبون بأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب يتذوّقون قصيدة غَنَّياها للشاعر المصري علي محمود طه عنوانها «فلسطين» بالرغم من أنها اشتُهِرتْ بعنوان «أخي جاوَزَ الظالمون المدى». وإذا كان طه أحد أقطاب مدرسة «أبولو» الشعرية التي جنح أركانها للرومانسية، فإن هذه القصيدة تخَطّتِ الصورة النمطية للأدب الرومانسي لتغدو نشيداً مرفوعاً إلى فلسطين، الشهيدة على أيدي الأعداء والتي تخاذَلَ معظم المتاجرين بقضيتها عن نُصرتها بعد أن عزّتِ مروءتهم العملية منذ احتلالها حتى اليوم.

هذا الواقع المرير ينطبق إلى حد كبير على سورية الحبيبة التي آذتها المؤامرة الكونية بهدف تعطيل دورها المركزي في الإضطلاع بالقضية القومية ومسؤولياتها الجِسام. لكنّ سوريةَ الصامدة لقّنتِ الأعداء دروساً لا تُنسى في العزة والإباء والصمود الأسطوريّ. ولولا حلفاء قلائل لكنهم فاعلون ومقحامون في محور المقاومة حتى البذل الإستشهادي، لكان الظالمون نجحوا في تجاوُز الحدود - وقد تجاوزوها - لكنهم أخفقوا ميدانياً وسيُخفقون اقتصادياً ونفسياً حيث يحاولون تعويض الخسارة الميدانية.

أما لبنان المظلوم على غير صعيد، فظالموه مِن الداخل أقسى من ظالميه الخارجيين بعد أنِ استولتْ على «ذوي القربى» آفاتُ الجشع والأنانية والتجبُّر والنهب وانعدام الضمير الوطني والإنساني. وقد تجاوَزَ «أهل البيت» المُحَرّمات والحُرُمات والمقدسات. ويكاد في لبنان، المنكوب بالشعاراتِ الكثيرة والإنجازات القليلة، أن يتعطل كل شيء ويتداعى كل شيء. لكن المفارقة الرسمية لا تتحرّج في تبرير كل شيء وتسخيف كل شيء من دون أن يكون لها صدقية في أي شيء.

يقول ابن خلدون في المقدمة الشهيرة لكتابه التاريخي الإجتماعي الضخم: «إن الأوطان الكثيرة العصائب، قَلَّ أن تستحكم فيها الدولة». فما بالنا عندما تضاف إلى العصائب العصبياتُ والولاءات البدائية المتشكّلة منذ ما قبل نشوء الدولة، والتي لم تستطع «الدولة» إسقاطها بقدْر ما استطاعت تكريسها في الثقافة والتفكير؟

مسكينٌ لبنان صورةً وسُمعة، فالصورة منتَهَكَة والسمعة مشوهة... والبلد الذي عانى من احترابٍ أهليّ قاسٍ ومن حروب «إسرائيلية» غاشمة على شعبه وأرضه وبُناه التحتية ونسيجه الإجتماعي المخروق بلعبة الطوائف، لم يكتفِ بمهدِّدات وجوده الطبيعي المشغول على تلغيمها من الداخل، ولم يشبع - في الدولة المديونة العرجاء - من تعيين آلاف الموظفين الأُميين في سراديب الوزارات والدكاكين الرسمية المستحدَثة على قياس الإقطاع الذي اتسع نطاقه وضاق صدره حتى بالنقد البنّاء للتوظيف العشوائي المجرم الذي لا حاجة له. ولا اكتفى لبنان، الخارجُ من حرب طاحنة والمحتاج إلى بناء دولة حقيقية على أنقاض كيان مُرهق بالأفشال، بالتزييف التطبيقي لإتفاق الطائف ولا بتحويل مؤسسات الدولة إلى مزارع مذهبية تُفرّخ في مغاورها سلالاتُ علي بابا، ويَؤُمها الموظفون الفاسدون من فاقدي الوجدان وسماسرة الصندوق الأسْوَد.

كلا، لم يكتفِ لبنانُ الزجل والشعار والأسطورة بكل ذلك الخرق لكرامة الإنسان ولمعنى القانون وحرمة المال العام وقدسية الحياة الواحدة واستحقاقات المستقبل الوطني، فترك مرفقاً إقتصادياً ومعيشياً حيوياً، كمرفأ بيروت، فريسةَ الإهمال والعبث والفساد وصواعق نيترات الأمونيوم، فانفجر وجه بيروت ذلك الإنفجار الرهيب وتطايرتْ مع ارتداداته أشلاءُ لبنانَ وطاقمِهِ السياسيّ، العاري حتى من قيمة عملته الوطنية التي أسقطتْ جميع أوراقه المزيفة بما فيها ورقة التين.

بلى، بلى. لقد جاوزوا الظالمون المدى، وآن للعدل أن يأخذ مجراه الكامل دونما تردُّد.