دخل الوضع الاقتصادي في لبنان نفقاً مظلماً لا تعرف نهايته مع استمرار ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء لمستويات غير مسبوقة حيث تخطى حاجز الـ 15 ألف ليرة.

ومع قفز سعر الدولار مقابل الليرة اللبنانية، وموجة الغلاء الجديدة التي طاولت اسعار السلع بنسبة زيادة فاقت الـ12%، ومع تدنّي الأجور وفقدانها لقيمتها الشرائية، بعد أن أصبح الحدّ الادنى للأجور (675 الف ليرة) يساوي 50 دولارا، ظهرت اعتراضات عديدة كان «بطلها» قائد الجيش العماد جوزيف عون الذي طالب برفع رواتب العسكريين، وأخرى تقّدم بها النائب علي حسن خليل على شكل قانون معجل مكرر لاعطاء منحة بمليون ليرة للعسكريين.

فيما نفذ موظفو الادارات العامة بدورهم اضرابا، بدعوة من رابطة موظفي الادارة العامة، للمطالبة بأن تشملهم «مليون خليل»ووافق المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على إعطاء جميع المستخدمين والأجراء العاملين في الصندوق مساعدة اجتماعية عاجلة، وتقرّر أن تساوي المساعدة عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور، أي ما يوازي 6 ملايين و750 ألف ليرة. واقترح على مجلس الإدارة الموافقة على مشروع القرار، وفتح اعتماد أساسي في مشروع الموازنة الإدارية لعام 2021، بقيمة 7 مليارات و242 مليون ليرة (الكلفة الإجمالية للمكافأة)، لتغطية نفقات المكافأة المالية.

لا شكّ بأنّ المطالبة برفع أجور موظفي القطاع العام والعسكريين أمر بديهي، ولكن هل تملك الدولة الامكانية للاقدام على خطوة مماثلة؟

يجيب على هذا السؤال الكاتب والباحث الاقتصادي زياد نصر الدين في حديث للديار موضحا أنّه «في علم الاقتصاد يتوجّب حلّ أسباب المشكلة قبل المشكلة، وفي وضع لبنان يكمن الخلل الاساسي بطبيعة النظام الاقتصادي المدولر والاستهلاكي غير المنتج، وبطريقة إدارة شؤون البلاد والصرف العشوائي وهدر المال العام، وهو ما أوصلنا إلى أزمة مالية واقتصادية وفقدان السيولة، فانخفاض بقيمة عملتنا الوطنية وفقدان الثقة بها على حساب الدولار الذي يستمر بارتفاعه الجنوني».

ويضيف نصر الدين «أي طرح لاعطاء سلسلة رتب ورواتب جديدة أو تصحيح للأجور وسط استمرار ارتفاع الدولار الدراماتيكي،لن يحدث أي فرق بالمعادلة الحالية لا بل سيزيد الوضع سوءاً حيث سنكون قد ساهمنا برفع حجم التضخم ورفع أسعار السلع أضعاف سعرها الحالي، وبالتالي زيادة الطلب على الدولار بسبب طباعة المزيد من العملة الوطنية الفاقدة قيمتها».

وعن الحلول التي يمكن اعتمادها في هذا الاطار يقول «يجب علينا أولا أن نحدّ من ارتفاع سعر صرف الدولار، من خلال تخفيضه أو تثبيته لمعرفة كيفية تصليح الاجور ورفعها بالنسبة لتسعيرة الدولار حيث لا يمكن رفع الاجور بناء على سعر صرف متقلّب».

من جهة أخرى يتابع نصر الدين «على الدولة وضع سياسات اقتصادية واضحة هدفها نقل الاقتصاد اللبناني من اقتصاد ريعي إلى منتج عبر تشجيع القطاعات الانتاجية في لبنان كالقطاع الصناعي والزراعي والالكتروني وخلق فرص عمل في القطاع الخاص وإعطاء فرصة لاعادة تصحيح شاملة للقطاع العام مع الحدّ من طبع العملات الوطنية وجذب الاستثمارات الخارجية عبر سياسات تحفيزية لادخال ودائع جديدة إلى لبنان».

ويلفت الباحث الاقتصادي زياد نصر الدين إلى أنّ «لا ثقة اليوم بالمصارف ولا بالاقتصاد اللبناني، لذا لا يمكن انقاذ الواقع الاقتصادي إلا من خلال عقد اقتصادي جديد يعيد الثقة بالنظام الاقتصادي اللبناني ويأخذنا إلى برّ الأمان»، معرباً عن خشيته من أن «يأتي هذا النهوض او الانقاذ بعد دخول البلاد بمرحلة الانهيار الشامل».

في الختام، تبقى مسألة رفع رواتب موظفي القطاع العام، وعلى الرغم من أحقيتها، شائكة ومعقدة، وسط تدهور قيمة العملة الوطنية وشح السيولة وارتفاع العجز في ميزانية الدولة اللبنانية، امّا في ما يخص رواتب موظفي القطاع الخاص، فتزداد المسألة تعقيدا مع محاولات أصحاب الشركات الخاصة الصمود وسط عاصفة الافلاس التي تهدد شركاتهم. وفي ظلّ الفراغ الحكومي المرهون بلعبة شدّ الحبال السياسي، طوق يخنق المواطن يوما بعد يوم، ويوشك على قتله جوعاً وفقراً وحرماناً.