يستطيع بعض السياسيين إخفاء البداوة بالقيافة الحَضَرية لكنهم لا يستطيعون أن يُخفوا الداخل القبَلي، لأن التحضُّر ثقافة وأخلاق تطبيقية لا مزاعمُ أسطورية وخُزَعبلات. لذلك اعتبر أفلاطون منذ ما قبل التأريخ الميلادي أن الديمقراطية ليست حُكْم الأكثرين بقدْر ما هي حُكْم الأفضلين. يعني ذلك، في بعض ما يعنيه، أن الحاكم أو المسؤول عن الشأن العام يقود ولا يُشَعوِذ، يَسُوس ولا يسوء، يُمدِّن ولا يُطَيّف، يقرِّر ولا يبرّر، يُنجز ولا يكرز،يحترف تصفية الفساد لا تصفية الحسابات، يستنبط الحلول لا العُقَد، ويبتكر المخارجَ لا المآزق.

إذا عَصَفتْ بالدولة مشكلات، وهذا طبيعي ،فالدور المَنُوط بالمسؤول هو اعتماد رؤية عقلانية وآلية عملية لتصفير المشكلات أوعلى الأقل لتحجيمها . ليست السلبية حكمة ولا العناد بطولة، وإذا كان من أبجدية للحكم فخريطة طريقها التواصلُ المباشر والتفاعل المسؤول لا «التمريك» الإعلامي والإستعراضات.

يقول المفكّر اللبناني الكبير ناصيف نصار إن الفارق بين قائد وآخَر يكمن في درجة وعيه بالغد. أي أن القادة المؤهلين للإنجاز همُ الإستشرافيون الذين تتقدم المعايير الوطنية عندهم على أي معيار آخر، شخصيٍّ أو طائفي أو عشائري أو فئوي بأي بُعدٍ من الأبعاد. أليست الطاقة الرؤيوية معياراً وطنياً تصبّ في مركزيتها الطاقاتُ الأخرى؟ أليس الأمن والسياسة والتربية والثقافة والصحة والإدارة والإقتصاد المنتِج مصالحَ ذات ارتباط وثيق بسلامة الرؤية وأهلية حامليها؟

ليس في العالم المعاصر دولة واحدة مُفلسة يختصم مسؤولوها على مبدأ التحقيق الجِنائي. فهل لبنان دولة؟ وإذا كان كذلك فأيُّ نوع من الدول هو هذا «اللبنان العظيم»؟ أيُّ درسٍ يعطيه للعالم وللأجيال؟ أية جِدية يوحي بها للمؤسسات الدولية؟ أية أزمة سينهض منها وأي مستقبل ينتظر شعبه؟ أيّ أملٍ سيتعلل به مواطنوه بل أيّ مصير محتوم سيواجهون؟

إن الإقرار العام لمبدأ التحقيق الجنائي في الإختلاسات المالية التي قادت الخزينة إلى الإفلاس، والمواطنَ إلى الإفتقار، والإستقرار النقدي والنفسي إلى الإندثار، هو اعتراف بالمرض المستشري أي هو الخطوة الأولى لبدء العلاج جراحياً كان أو دوائياً ، حلواً كان أو مُرّاً . ويفترض ذلك القيام بجميع الإجراءات القانونية، التدقيقية والقضائية الآيلة إلى تحديد المسبِّبات الموضوعية للإنهيار الكارثي غير المسبوق، ومن ثم البناء على مقتضى نتائج التحقيق الجنائي بالقرارات الكبيرة الحاسمة المُحتكمة إلى مفهوم الدولة ومنطق المؤسسات.

ما لم نتحرك من نفقٍ مسدود إلى ضوء موعود. ما لم نَضرب الخيبة القاتلة بالأمل المُحيي. ما لم نُحَوِّل إِطباق المأساة إلى فرصة إنقاذ، فلن يكون تفويت السانحة سوى شراكة جنائية في جريمة تحويل لبنان إلى ركام متتابع ينتظر تدحرُجَه الحتمي إلى قبر التاريخ.