الحريري لا يزال متمسّكاً بحكومة من 18 من الإختصاصيين.. ونصرالله يُمهّد مع حلفائه لحكومة «تكنوسياسية»


حصل اللقاء الـ 17 بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري الجمعة، بعد بيانين تصعيديين عشية هذا اللقاء من كلّ من الرئاستين الأولى والثالثة.. وجرى الإتفاق على عقد لقاء جديد يوم الإثنين، لأنّ «أمامنا فرصة علينا استغلالها لتشكيل حكومة في أسرع وقت»، على ما أعلن الحريري، بهدف وقف انهيار الليرة اللبنانية. وقد انخفض الدولار الأميركي في السوق السوداء أربعة آلاف ليرة دفعة واحدة (من 14500 الى 10300 ل.ل.) فور حصول هذا اللقاء.

هذا الكلام للحريري عن وجود «فرصة» لم يكن جديداً، إذ سبق وأن تحدّث عن وجود «فرصة ذهبية» على المسؤولين الإستفادة منها وتتمثّل بالمبادرة الفرنسية ومندرجاتها وخارطة الطريق للإصلاحات الإقتصادية التي نصّت عليها. فهل يقصد الحريري هذه المرّة أيضاً أنّه على المسؤولين المضي في تشكيل الحكومة التي يُصرّ عليها والمنبثقة عن المبادرة الفرنسية، أم أنّه في صدد دراسة اقتراح تشكيل «حكومة تكنوسياسية» قادرة على معالجة الأزمات وتحقيق الإصلاحات؟ وإذا كان الحريري لن يُشرع الى تقديم تشكيلة جديدة، أو رؤية جديدة للتشكيل الإثنين، فإلى أين تتجه الأمور، هل الى تعويم حكومة الرئيس حسّان دياب حتى نهاية عهد الرئيس عون؟

حتى الساعة، تبدو الصورة ضبابية في الداخل والخارج، على ما أكّدت مصادر سياسية مطّلعة، نصفها تفاؤلي بقرب ولادة الحكومة، ونصفها الآخر تشاؤمي بأنّ الأمور باقية على حالها. فأي من زيارات وجولات الرئيس المكلّف الى دول الجوار والدول الخليجية، أو زيارة وفد «حزب الله» الى روسيا التي ركّزت على الملف السوري، أو حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخير عن عدم قدرة المسؤولين اللبنانيين على التشكيل طوال السبعة أشهر الماضية، لم تُظهر أي معطى جديد على صعيد تشكيل الحكومة. حتى أنّ الكلام الأخير للأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصرالله، لم يحسم فيه الأمور، بل وضع «خارطة طريق» للمرحلة المقبلة، عارضاً الخطة «أ»، والخطة «ب».. فإذا اتفق عون والحريري الإثنين، فإنّ الحزب سيُوافق على التشكيلة، وإذا لم يتفقا، فيُمكن لحكومة الرئيس دياب أن تتصرّف و»تُصرّف الأعمال»، كما يجب. وهذا يعني أن لا إتفاق نهائياً أو جديداً حتى الآن، وإن كان السيّد نصرالله لا يُمانع إذا توافقا على حكومة إختصاصيين. علماً بأنّ تجربة دياب لم تكن ناجحة، خصوصاً وأنّ الوزراء التكنوقراط لا خلفيات أو تجارب سياسية لديهم، ولا يستطيعون بالتالي معرفة وتفهّم كيفية عمل مؤسّسات الدولة.

وفي مطلق الأحوال أمام عون والحريري، وجميع الأطراف السياسية القليل من الوقت التفكير الجدّي بما ستكون عليه المرحلة المقبلة، والسعي من أجل وقف الإنهيار الإقتصادي والمالي الحاصل والذي يُنذر بكوارث إجتماعية بفعل الفقر والجوع والبطالة، وبتوتير أمني في الشارع قد يصل الى حرب أهلية. من هنا، تتوقّع المصادر نفسها حصول تسوية بين عون والحريري كونهما يمتلكان «الحسّ الوطني»، على قاعدة تقديم تصوّر مختلف للحكومة الجديدة من قبل الرئيس المكلّف الإثنين يُرضي الجميع، سيما وأنّ اللقاء الأخير الذي حصل بينهما مباشرة بعد مطالبة عون به، هو بادرة خير. كما أنّ الرئيس المكلّف كان خلال هذا اللقاء مستمعاً جيّداً للملاحظات وقد جرى توضيح أمور تقنيّة ومحاولة للتقريب في وجهات النظر، تأمل أن يأخذها الحريري بالإعتبار في تشكيلته المرتقبة الإثنين، إذ لا يجوز ترك البلد سائراً نحو الإنهيار الشامل، في الوقت الذي يُهدّد فيه الإتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على شخصيات سياسية في لبنان.

وهذه التسوية من شأنها، على ما عقّبت، ضبط الوضع الإقتصادي والنقدي بسرعة، لا سيما سعر صرف الدولار الأميركي في السوق السوداء المرتبط بشكل مباشر بالسياسة، على ما يظهر خلال صعود الرئيس المكلّف الى قصر بعبدا ونزوله منه. وأشارت المصادر نفسها الى أنّ الرئيس عون يريد تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن يرأسها الحريري بما أنّه لا يزال الرئيس المكلّف من قبل الكتل النيابية. كما أنّه عرض ملاحظاته على الحريري وينتظر أجوبة منه في لقاء الإثنين، الذي لا يتوقّع قصر بعبدا أن يكون مفصلياً أو تتخذ خلاله قرارات حاسمة ونهائية كإعلان للتشكيلة الحكومية المرتقبة.

في المقابل، لا تزال أوساط الرئيس المكلّف تؤكّد على إصرار الحريري على التشكيلة التي سبق وأن قدّمها للرئيس عون منذ كانون الأول الفائت، أي تشكيلة الـ 18 وزيراً من الإختصاصيين المستقلّين غير الحزبيين، وتمسّكه بعدم عودة أي من الوجوه السياسية السابقة الى حكومته الجديدة، لا سيما رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل. وموقفه هذا لم يتبدّل رغم كلّ المبادرات التي طُرحت عليه، كونه يودّ أن تقوم حكومته بتنفيذ الإصلاحات الهيكلية المطلوبة منها، وتحصل على دعم وثقة المجتمع الدولي، من دون أن تُعيق التدخّلات السياسية عملها.

في الوقت نفسه، أفاد العارفون بأنّ السيّد نصرالله يجد بأنّ «حكومة تكنوقراط بحت» بعيداً عن الأحزاب السياسية لا يُمكنها أن تُقلّع في لبنان لا سيما مع الأزمات الكثيرة المستفحلة فيه، ولهذا اقترح في خطابه الأخير تشكيل «حكومة تكنوسياسية»، وقد أيّده رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل في اقتراحه هذا مباشرة عبر «تويتر»، وكأنّ الرجلين متفقان على هذا الأمر. فيما تقوم دوائره حالياً، وقبل لقاء عون- الحريري الإثنين، باتصالات مع بعض الحلفاء مثل رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، ورئيس «تيّار المردة» سليمان فرنجية، ورئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط لمعرفة موقفهم من طرحه هذا. ويبدو، على ما تقول المعلومات، أنّهم يميلون الى تأييد اقتراح السيّد نصرالله لأنّ حكومة دياب «الإختصاصية» لم تتمكّن من العمل بشكل جيّد، رغم وجود شخصيات فاعلة فيها، مع بعض التحفّظات من قبل البعض على أنّ توسيع الحكومة الى 20 أو 24 وزيراً، قد يُعيد باسيل اليها. علماً بأنّ كلام السيّد نصرالله الأخير يجده البعض داعماً لمطالب باسيل حول تشكيل الحكومة.

من هنا، فإذا توافقت الأكثرية على «حكومة تكنوسياسية»، وبقي الحريري متمسّكاً بحكومة الـ 18 من الإختصاصيين المستقلّين، فيُصبح من الممكن أن تسحب الكتل النيابية التكليف منه، كون أي حكومة سيُشكّلها من دون موافقة القوى والأحزاب السياسية، لن تنال الثقة في مجلس النواب... ولهذا عليه اتخاذ القرار الصحيح والمناسب للجميع.