«دارجة». هكذا باتت ظاهرة سرقة أغطية الريغارات والأسلاك الكهربائية وغيرها من المعدات الحديدية للأملاك العامة في الآونة الأخيرة. إذ سُجلت سرقة أسلاك كهربائية في مناطق عدّة ما أدى إلى مناشدة الأهالي للمعنيين بسبب إنقطاع التيار الكهربائي لديهم. كذلك، سُجلّت سرقة أغطية الريغارات، خصوصاً ضمن ضواحي بيروت، وبدأت البلديات تبحث عن بديلٍ، وبدأ السائق يبحث عن مفرّ لعدم الوقوع فيها.

هذه الظاهرة تجسدت عبر «إرتفاع عدد جرائم السرقة خلال شهري كانون الثاني وشباط، هذا العام، بنسبة 144 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2020»، وفقاً للشركة الدولية للمعلومات. فلماذا تفاقمت هذه الظاهرة؟ كيف يستفيد السارق؟ وما هي المخاطر التي تطال السلامة المرورية إثر هذه السرقات؟

قد يبدو أن تفاقم ظاهرة هذا النوع من السرقة مرتبطة بتردي الأوضاع الإقتصادية والمعيشية إلاّ أنه يشير رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني، في حديثٍ لـ«الديار»، إلى أن «مَن يقوم بسرقة أغطية الريغارات هي عصابة محترفة، تستخدم سيارة لديها أرضية مفتوحة، حيثُ تقف فوق الريغار، تسحبه وتسرقه» على قاعدة «لا من شاف ولا من دري». ويضيف عيتاني لافتاً إلى أن هذه الظاهرة تفاقمت هذه الفترة، إذ كنا نلاحظ سابقاً سرقة بنسبة ضئيلة جداً ونشتري بدلاً من البضاعة المسروقة على الفور».

مسروقات من نوع جديد بقيمة 500 ألف دولار!

غير سرقة أغطية الريغارات، يقول عيتاني «أننا نشهد سرقة للمحولات المُستخدمة في الأنفاق لتحويل الكهرباء، وهي معدات باهظة الثمن. إذ يُقدّر ثمن المحولات التي سُرقت حتّى اللحظة بحوالي 500 ألف دولار». أمّا عن الحل فيعتبر عيتاني أن «أغطية الريغارات يجب أن تتبع مقاييس عالمية ولا يمكننا أن نستبدلها بأي نوع آخر، لذا ندرس الإحتمالات الممكنة لتعويض ذلك ولتخفيف من سهولة السرقة. وعلى المقلب الآخر، تواصلنا مع قوى الأمن الداخلي وطلبنا تكثيف الدوريات لتوقيف العصابة التي تنفذ هذا النوع من السرقات، وعلمنا أنهم يتابعون المشتبه بهم».

وفي هذا الإطار، يؤكد مصدر أمني لـ «الديار» أن هذه الظاهرة مألوفة، وتستمرّ القوى الأمنية بتوقيف عدّة أفراد، من جنسيات مختلفة، قامت بسرقة معدات حديدية مختلفة من ضمن أملاك الدولة». ولفت المصدر إلى أن «الأفراد التي تقوم بهذا النوع من السرقات هي قريبة من بعضها البعض وهي أشبه بعصابة تعمل بمجال الخُردة».

مسروقات الأملاك العامة... إلى التصدير دُرّ؟

يوضح تاجر خُردة لـ «الديار» أن «غطاء الريغار مُصّنع من مادة «الفونت» ويُباع في محال «بورة الخُردة» التي بدورها تصدرها للخارج. إذ أنه كل كيلوغرام يُباع بـ0.33 دولار وكونه مسروقاً يُباع بسعر أقل أي بحوالي 0.22 دولار. تختلف أوزان الأغطية وفقاً لحجمها، ولكن كمعدل وزن الغطاء الواحد، هو ما بين الـ 80 والـ 90 كيلوغراماً، وبالتالي سعره ما يقارب 28 دولار ولأنه مسروق يصبح بـ18 دولار نقدي. أما بالنسبة للأسلاك الحديدية فهي مُربحة بعد أكثر من أغطية الريغارات، بما أنها مُصنعة من النحاس وسعر كل كيلوغرام منها، حسب إذا كان أحمر أو أصفر، يتراوح سعره ما بين الـ 6 و7 دولار». ويؤكد التاجر أنه «عادةً ما يتم تصنيف مختلف أنواع الحديد لكي تُباع وفقاً لصنفها، إلا أنه في لبنان، غالباً ما تُجمّع البضاعة بشكل عشوائي وتضم بذلك المعدات الحديدية المسروقة وتُباع للخارج على أساس الوزن وطبعاً بالدولار النقدي. وبالتالي يُعاد تصنيعها في الخارج كون لبنان لا يتمتع بإمكانيات إعادة تصنيعها».

سرقة غطاء الريغار... خسارة للمواطن قبل الدولة!

صحيح أن سرقة المعدات الحديدية تكبد الدولة والبلديات خسائر مادية فادحة إلاّ أن المواطن يتكبد خسائر جسدية ومادية إذا وقع «ضحيّة» ريغاراً مفتوحاً. من هذا المنطلق، وبعدما استفحلت ظاهرة سرقة آلآف أغطية مجاري الصرف الصحي في العديد من المناطق، تبنّت «اليازا» إخبار مقدَّم إلى النيابة العامة التمييزية في بيروت تحت الرقم 1164/م، الذي تضمّن «المطالبة بالإيعاز للأجهزة القضائية والأمنية المباشرة بفتح تحقيق على نطاق الأراضي اللبنانية للوقوف على هول الجرائم المرتكبة وملاحقة الفاعلين والمشتركين والمخططين مهما علا شأنهم، لما تسببوا به من أضرار طالت الشعب اللبناني بأسره وتسببت بخسائر كبرى بالمال العام إضافة إلى الأخطار التي باتت تهدد السلامة المرورية».

وفي السياق، يقول الخبير في السلامة المرورية كامل إبراهيم لـ «الديار»، أن سرقة أغطية الريغارات وتركها مفتوحة تعرض المواطن للخطر إذ تسبب إمّا بحوادث سير إذا لم تتوفر إشارات تحذيرية، إمّا سقوط فيها أحد المارة بغياب الإنارة الليلية، أو حتى سقوط سائق على دراجته النارية». ويضيف إبراهيم لافتاً إلى أنه «على الأجهزة الأمنية مكافحة هذه الظاهرة، وعلى البلديات تنبيه المواطن من وجود ريغارات مفتوحة عبر وضع إشارات تحذيرية تلفت إنتباه المواطن أو إغلاق الريغار بطريقة مناسبة لحين إيجاد حل مستدام لهذه المشكلة».

ظاهرة سرقة المعدات الحديدية من ضمن الأملاك العامة، ظاهرة قديمة تطورّت وتفاقمت بأهداف مختلفة لتصبح اليوم: تأمين الدولار النقدي. ولكن المواطن هو مَن دفع أو سيدفع الثمن إذا إستمرت الريغارات مفتوحة من دون أي إشارات تنبيهية أو من دون حلول جذرية. كما أنه دفع أو سيدفع الثمن بإنقطاع التيار الكهربائي بسبب سرقة الأسلاك أو المحولات الكهربائية في الأنفاق. إثر هذا المشهد، هل سينتظر المعنيون إلى حين وقوع كارثة فعلية لإيجاد حلول جذرية؟