أن تقول لنا شخصية خليجية «أميركا تدير الكرة الأرضية كلها. لماذا تتصورون، أنتم جماعة المتوسط الذين تتقنون الثرثرة، أننا موجودون خارج الكرة الأرضية. أنظر ما حل بالعراق، وما حل بسوريا، وما حل بلبنان، وما حل بليبيا, وماذا حل حتى بايران وبفنزويلا، حين حاولت هذه الدول الخروج عن (وعلى) «الاصبع» الأميركية».

نستشف من هذا الكلام أننا رهن الاصبع الأميركية لا رهن العصا، أو الأساطيل، الأميركية!

ابان عهد جورج دبليو بوش، كان ريتشارد بيرل يستضيف، في البنتاغون، باحثين في الشرق الأوسط. أعاد السبب في بقاء العرب خارج ايقاع القرن الى «الايديولوجيا الدينية التي كرست المفاهيم الكلاسيكية للقبلية، وللاجترار السوسيولوجي، كما للاقامة على تخوم الغيب». سأل: هل ترانا منعنا اليابان، وكوريا الجنوبية، من الدخول الى الزمن التكنولوجي؟

لن نضيف النموذح الكوري الشمالي، وحيث كيم ايل سونغ صنع القنبلة النووية من «الطين» لا من اليورانيوم, بحسب الباحث الشهير روبرت ساتلوف الذي وقف مذهولاً أمام تلك الظاهرة...

جوهرياً، بماذا يختلف جو بايدن عن دونالد ترامب في النظرة الى العرب؟ باراك أوباما قال لنا «المشكلة فيكم لا في ايران، ولا في القضاء والقدر». التونسي الرائع عبد الوهاب المؤدب دعا الى «انقلاب ايديولوجي»، وكاد يدعو الى «انقلاب بيولوجي»، بعدما لاحظ الى أي مدى بلغ التأويل الميكانيكي للنص الديني، والى حد اقفال كل أبواب العقل البشري.

ولكن أليست اسرائيل نتاج تلك التضاريس التوراتية، وعلى مدى ثلاثة آلاف عام؟ من أكثر من اليهود ارتباطاً بالطقوس؟ بالرغم من ذلك، تمكنوا من عقد تلك الصفقة المثيرة بين الايديولوجيا والتكنولوجيا.

المؤرخ اسحق دويتشر أعاد ذلك الى «الشيزوفرانيا الخلاقة». العيش على هامش الحضارات الغربية وفي داخلها، ليظهر اليهود وكأنهم يديرون العالم من الكهف ذاته الذي كان يهوه يرشق منه السابلة بالحجارة...

ألم يحكم القرن العشرين الثلاثي اليهودي كارل ماركس، وسيغمند فرويد، وألبرت اينشتاين؟ اليهودي جوليوس روزنبرغ وزوجته ايتل نقلا أسرار القنبلة الذرية الى جوزف ستالين كي لا تستأثر قوة وحيدة بقيادة العالم، واحتمال أن تنتج الشوفينية الأميركية أدولف هتلر آخر يذهب باليهود اما الى معسكرات الاعتقال أو الى أفران الغاز. هذه كانت حجتهما قبل أن يضعهما دوايت ايزنهاور على الكرسي الكهربائي...

ثمة نموذج آخر... ايران. بالنظام الثيوقراطي، وبالبنية الحديدية التي تفرض حتى شكل الثياب على الرعايا، تمكنت من تحقيق المساكنة بين الضرورة الايديولوجية والضرورة التكنولوجية.

لعل هذا ما يثير مخاوف اسرائيل، وهو ماحمل الجنرال هيرتسي هاليفي، نائب رئيس الأركان حين كان رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية، على القول ما مؤداه «ان الايرانيين الذين يتعاملون معنا بتعال كون قوروش الفارسي من أنقذ آباءنا من السبي البابلي يتعقبون خطواتنا التكنولوجية كما ظلنا».

كل ما صدر عن ادارة جو بايدن، خلال الفترة القصيرة المنقضية، يشي بأنها لا ترى في المنطقة سوى اسرائيل على هذه الضفة وايران على الضفة الأخرى.

ثمة مسؤولون داخل هذه الادارة يعتقدون أن الايرانييين أحدثوا واقعاً جديداً في الشرق الأوسط أربك الاسرائيليين الذين لاحظوا، وللمرة الأولى بعد عقود من التفوق العسكري الصاعق، أنهم باتوا مرغمين على الأخذ بمعادلة توازن الرعب من خلال الترسانة الصاروخية الضاربة التي أقيمت على تخومهم الشمالية.

لا مجال البتة لتغيير المشهد باللجوء الى الخيار العسكري. الطريق الديبلوماسي هو الحل كي لا تكون ايران جــزءاً من المحـور الآخر حين تدق ســاعة الصراع بين الأمبراطورية الأميركية والأمبراطورية الصينية.

كعرب، لا تنظر الينا الاستبلشمانت أكثر من كوننا نشبه أطباق الهوت دوغ. باقون الى يوم القيامة في... الطنجرة الأميركية!!