المديرية العامة فقدت قيمتها المضافة حين انتقلت الى كنف وزارة الاشغال العامة !!

بعد أن تناولنا ملف التنظيم المدني في المرة السابقة من باب معامل الترابة، سوف نكمل اليوم ولكن هذه المرة من باب المقالع والكسارات. في قانون التنظيم المدني، ورد في الباب الخامس، المادة 26، الفقرة 4: «يتوجب على المستثمر أو على المالك إعادة ترتيب ارض الموقع على نفقته بعد انتهاء الاشغال وفقا للخرائط النهائية الموافق عليها بما فيها امكانية فرض ترتيب وإعادة تشجير الموقع».

هل تم تنفيذ القانون فعلياً؟ وماذا عن دور المديرية العامة للتنظيم المدني كونها المسؤولة عن تحديد شروط الرخص وسير العمل وضمان سلامة البيئة المحيطة؟ وفي حال وجود مخالفات قانونية هل من تحركات باتجاه الإدعاء على المستثمر حتى لو كانت الدولة اللبنانية نفسها؟

قانون التنظيم المدني: يستوجب تصويب البوصلة نحو تطبيق بعض الحواشي الجوهرية التي تربط التنظيم بالبيئة ربطاً وثيقاً

للإجابات الوافية، تواصلنا مع منسق التحالف المدني البيئي والمهندس المدني الإستشاري السيد راشد سركيس الذي شدد بداية على ضرورة اعتبار القانون المرجع الاول والاخير في حياة الناس العامة كونه ضابط الإيقاع الأساسي، وتأسف لكون الناس في لبنان، مسؤولين ومواطنين، يتهربون من تطبيق القانون ويعتبرون فعلهم هذا «شطارة».

في صميم الحديث عن التنظيم المدني، يعتبر السيد سركيس أن هذا الموضوع هو قضية شائكة على كافة المستويات، فالناس حولوا الأرض إلى سلعة وافقدوها قيمتها الحقيقية، فعلى الرغم من أن الأرض هي ملكية لكن هذه الملكية تنقسم إلى قسمين خاص وعام، وبالتالي مالك الأرض لا يملك كل شيء بالمطلق.

يرى السيد سركيس ان قانون التنظيم المدني لا يتكلم عن زاوية دون اخرى، وبالتالي هو لا يتعامل مع مستثمري المقالع بشكل يختلف عن الذي يشيد بناء جديد، الأمر الذي يستوجب تصويب البوصلة نحو تطبيق بعض الحواشي الجوهرية التي تربط التنظيم بالبيئة ربطاً وثيقاً. ويستطرد مستغربا ً ان لا يكون لوزارة البيئة مكانتها في المجلس الأعلى للتنظيم المدني، الذي تحول مع الأيام ليكون مكتب التنظيم المدني المركزي، ويتبدل دوره من الرؤية إلى التفصيل، ويغرق في متاهات المحاصصات والمصالح وفي خضم البيع والشراء اللامتناهي.

مجلس خاص للكسارات والمقالع يجب تفعيله: شراسة في التعاطي مع الموارد الطبيعية وتدمير للبيئة بعنف عند توافق مصالح القيمين على الوزارة مع رغبات غارفي المال! 

أما عن الكسارات والمقالع فيعتبر السيد سركيس أن القضية هنا تختلف كلياً لأن لهذه فئة مجلس خاص يجب تفعيله بما يتلاءم مع طبيعة وحجم الحقيقة المرة المتمثلة بالقضاء على البيئة بكل مكوناتها. أبسط نموذج يمكن عرضه هو ما مارسه المستثمرون في معامل الترابة من شراسة في التعاطي مع الموارد الطبيعية وتدمير البيئة بعنف، خصوصاً عندما توافقت مصالح القيمين على الوزارة مع رغبات غارفي المال من الارض غير الابهين بإعادة تكوين السطح وإحيائه بما يتناسق مع المحيط، وخلق مناطق جديدة يمكن الإستفادة منها للتعويض عن الخسائر التي تركتها بصماتهم السوداء المدمرة.

 المديرية العامة للتنظيم المدني: تبدل حالها حين اتخذت بها الأمور منحى تجاري حيث اصبح عامل الاستثمار هو المحور الاساس 

وعن دور المديرية العامة للتنظيم المدني، يتأسف السيد سركيس كون هذا الجهاز يحظى بمكانة عالية في كل دول العالم، أما في لبنان فقد فقدت قيمتها منذ زمن بعيد حين تم نقلها إلى كنف وزراة الاشغال العامة والنقل وفقدت القيمة المضافة التي كانت لتكتسبها لو كانت مديرية عامة في وزارة التخطيط التي يحتاجها الوطن اليوم دون منازع.

يستأنف السيد سركيس واصفاً النجاحات والانجازات التي حققتها هذه المديرية يوم كان يديرها أشخاص لا يساومون على شيء، وكيف تبدل حالها حين اتخذت بها الأمور منحى تجاري حيث اصبح عامل الاستثمار هو المحور الاساس بين عوامل سطحية وعامة، وتحول التنظيم الى مجرد كميات وارقام، وانحدر مستوى العمل إلى الهاوية.

«لا يمكن لعاقل أو مختص ان يقول بوجود تخطيط او تنظيم مدني في لبنان!» فصورة جوية لمنطقة ما، أو جولة وتأمل في المباني والواجهات والمحيط العام على الارض، كافيان لتأكيد هذا الأمر.

أما عن المسؤوليات المنوطة بالمديرية العامة للتنظيم المدني في جزئية المقالع والكسارات، يؤكد السيد سركيس أن رخص المقالع مرتبطة بوزارة البيئة والمجلس المتخصص بالمقالع والكسارات، ولا علاقة مباشرة للتنظيم المدني بها، «ولكن يبدو أن المجلس الوطني للمقالع والكسارات أتى ككمالة عدد وليس لتدبير اللازم، او على الاقل لحفظ ماء الوجه.

وعن موضوع الكفالات، يرى السيد سركيس أنه لم يكن هناك يوماً ما قيمة حقيقية للكفالات، أو تدبير ناجز للقانون لجهة مصادرة الكفالة وتنفيذ الأعمال على حساب المخالف، الأمر الذي يرسي افة التهاون بين الادارات وفي المرافق مسبباً الدمار في كل مكان وسوف يؤدي في النهاية إلى سقوط الهيكل على الجميع.

 الدولة هي اول من يخالف القوانين: وجود وزارة بيئة تعمل لحماية مصالح أصحاب الصفقات التي تؤذي البيئة وكل من يدور في فلكهم! 

اما عن المخالفات، يعتبر السيد سركيس أن الدولة هي اول من يخالف القوانين، وخاصة كل ما يتعلق بحماية البيئة، فهي تقوم مثلا بخلط الأتربة والصخور الناجمة عن المقالع مع النفايات في المطامر العشوائية، فلا تتم معالجة النفايات ويتم إستهلاك كمية كبيرة من الموارد الطبيعية بهدف المزج. الأمر أيضاً ينطبق على التخطيط والتنفيذ الذي غالباً ما يتم دون مراعاة القواعد والمعايير الفنية اللازمة إن على مستوى تنظيم المناطق، او على مستوى شق الطرقات وما يستتبعها من إنتاج كميات ضخمة لا رقابة عليها من الأتربة والصخور الناجمة عن طريقة الحفر والتكسير واستخدام المتفجرات وكل ما يمكنه تأكيد حصول المخالفات دون خجل او وجل.

ختاماً يؤكد السيد سركيس أن قانون البيئة أعطى كل المواطنين الحق في إتخاذ صفة الإدعاء الشخصي في حال رؤيته أي أمر يلحق الضرر بالبيئة، ولكن هذا الامر يتطلب وجود وزارة بيئة تعمل لحماية البيئة وليس لحماية مصالح أصحاب الصفقات التي تؤذي البيئة وكل من يدور في فلكهم، خصوصاً وأنه لا يمكننا إغفال عنصر هام ومؤشر وطني كبير عن نتائج هذا التراخي المقصود، او المدفوع الثمن، وهو الأرقام المرتفعة جداً لحالات السرطان المنتشرة في البلاد.

فعلت بنا هذه السلطة ما لم تفعله أعتى الجيوش في اخصامها، فهي صادرت وباعت وساومت وحاصصت بحقوقنا، خلقت لنا الأمراض وحرمتنا من الدواء، وضعت لنا القوانين كالمسكنات الموضعية وسخرت منا على الملأ، أفليس بيننا رجل رشيد؟