حجب ثقة مجلس النوّاب عن تشكيلة الحريري الحالية قد يدفعه الى الموافقة على حكومة تكنوسياسية

هل عادت العلاقة الى القطيعة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري بعد اللقاء الـ 18 الذي عُقد الإثنين في قصر بعبدا، والذي أعاد التأكيد على تصلّب وتشبّث كلّ من الفريقين بموقفه من تشكيل الحكومة منذ تقديم الحريري للتشكيلة الحكومية اليتيمة في 9 كانون الأول من العام الفائت؟ وهل بات اللقاء الـ 19 لمناقشة التشكيلة الحكومية المرتقبة والملحّة لإنقاذ انهيار البلد في «خبر كان»، سيما وأنّ أي من الفريقين لم يُسجّل أي تراجع أو تنازل ويستمرّ في اتهام الطرف الآخر بعرقلة أو تجميد التشكيلة؟ وماذا وراء تسريب الرئيس المكلّف، في خطوة غير مألوفة، لمراسلات من رئيس الجمهورية، ومحاولة تزوير الوقائع عبر الزعم بأنّها سُلّمت له من قبل عون في اللقاء الأخير، فيما الحقيقة أنّه تسلّمها في اليوم نفسه الذي قدّم له فيها الحريري تشكيلته من الإختصاصيين المستقلّين؟ وهل عاد تشكيل الحكومة الى نقطة الصفر، والى متى سيستمر البلد من دون حكومة فعلية قادرة على الإنقاذ؟

مصادر سياسية واسعة الإطلاع أشارت الى أنّ اللقاء الأخير الذي حصل بين عون والحريري، أظهر للرأي العام بوضوح أنّ تشكيل الحكومة في لبنان لا يتمّ في قصر بعبدا، وبيت الوسط، ولا في عين التينة أو حارة حريك ولا المختارة وسواها، بل في الخارج. فرغم مطالبة دول الخارج الأطراف السياسية اللبنانية على ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة، لا تزال الضغوطات تسيطر، مع الأسف، على قرارات هذا الفريق أو ذاك. والدليل أنّ الأمور لا تزال تُراوح مكانها منذ تقديم الحريري لتشكيلته الحكومية منذ 3 أشهر ونصف الشهر تحديداً، وكلّ اللقاءات التي حصلت من بعدها مع الرئيس عون لم تُحرز أي خطوة الى الأمام.

كذلك فإنّ المنطق نفسه لا يزال يتحكّم بفريق العهد وبالرئيس المكلّف، وعلى أساسه يتصرّف كلّ من الفريقين دون أي تغيير بالأداء أو بالموقف. وهذا الأمر يستمرّ على المنوال نفسه منذ تكليف الحريري بالتشكيل أي منذ خمسة أشهر، فيما الشعب لا يودّ معرفة من لديه الحقّ، أو من يريد تهميش الطرف الآخر، بل جلّ ما يهمّه، تشكيل حكومة قادرة على إنقاذ لبنان من الإنهيار الإقتصادي، في ظلّ تحليق سعر صرف الدولار الأميركي وتراجع القيمة الشرائية لليرة اللبنانية الى أدنى مستوياتها، وعودته الى حياته السابقة.

وعن المواقف الباقية على حالها، أشارت المصادر الى أنّ الرئاسة الأولى لا تزال تعتبر أنّ الرئيس المكلّف يتعامل معها على أساس أنّ عون ليس سوى مجرّد «موقّع» على التشكيلة التي يُقدّمها له الحريري، من دون أن يتشارك معه في تأليفها، ولهذا ينتظر توقيعه على التشكيلة المقدّمة والتي كشفها للرأي العام، وذلك لإحالتها الى مجلس النوّاب، وهناك تنال الثقة أو تسقط بفعل حجب الثقة عنها. وفي هذا الأمر مضيعة للوقت، على ما عقّبت، بطبيعة الحال. كما تجد بأنّ تسريب مراسلات بين عون والحريري من قبل الأخير هو تصرّف غير لائق وغير مألوف، لما تضمّنه من محاولة لتزوير الوقائع والإيحاء بأنّ رئيس الجمهورية قدّم له اللائحة ذات الخانات الفارغة لتعبئتها في اللقاء الأخير، في حين أنّ الحريري تسلّمها من عون في اليوم نفسه الذي سلّمه فيها تشكيلته الحكومية اليتيمة في 9 كانون الأول المنصرم، وأعطاه عون ملاحظات عدة عليها. وهذا الأمر لا يُظهر مصداقية الحريري بقدر ما يدلّ على مدى التخبّط الكبير الذي يعيشه هو وفريق عمله. كذلك فإنّ أسلوب اللائحة هذه هو نفسه الذي اعتمده الرجلان خلال تشكيل الحكومتين السابقتين للحريري في عهد عون، فلماذا الإستهجان اليوم؟ كما إنّ التشكيلة التي كشف عنها الحريري أخيراً أظهرت ضعف وهشاشة بعض الأسماء الإختصاصية فيها التي أسند اليها حقيبتين لا علاقة لهما ببعضهما البعض، ولا علاقة لاختصاص الشخص المُسمّى بهما أو بإحداهما. وهذا الأمر أضعف موقف الحريري أمام الرأي العام، من وجهة نظرها، الذي ينتظر تشكيلة قادرة على فعل المعجزات بعد أن وصل الوضع في البلد الى الإنهيار المتمادي.

أمّا الرئاسة الثالثة فلا تزال أيضاً على موقفها، على ما أضافت المصادر نفسها، من أنّ الرئاسة الأولى تحاول إحراج الحريري لإخراجه، من خلال دفعه الى الإعتذار من تلقاء نفسه، ولهذا يتمسّك بورقة التكليف التي لا يُحدّد الدستور فترة زمنية لها، ويُصرّ على عدم التراجع وبالتالي على عدم الإعتذار. كما أنّ الحريري قدّم التشكيلة الحكومية من الإختصاصيين المستقلّين وعددهم 18، ويجد بأنّها الأفضل للمرحلة المستقبلية، إذ بإمكانها أن تعمل على إنقاذ البلاد ومعالجة الأزمات وتحقيق الإصلاحات ولهذا لا يريد أن ينقص أو يزيد أي إسم عليها رغم كلّ المبادرات والحراك الداخلي نحوه لتبديل موقفه، ولا سيما من رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط الذي تراجع اخيراً... وتلفت المصادر، الى أنّ الحريري تجاوز الفيديو المسرّب الذي اتهمه فيه عون بأنّه «يكذب ولا يريد تشكيل حكومة»، كما تجاوب مع خطاب استدعاء عون له الى قصر بعبدا والدليل أنّه لبّى الدعوة الى اللقاء يوم الخميس الماضي، ومن ثمّ الإثنين، ولم يستعمل الأسلوب نفسه الذي استخدمه القصر معه... غير أنّ الشعرة التي قصمت ظهر البعير، كما يُقال، كانت طريقة التعاطي معه من خلال إرسال اللائحة نفسها ولكن مذيّلة بعبارة «نموذج للتعبئة يُسهّل النظر في تأليف الحكومة من المستحسن تعبئته»، وكأنّه ليس من صلاحيات الحريري سوى ملء الفراغات. الأمر الذي دفعه الى الكشف عن اللائحة المُرسلة اليه والتي تضمّ الخانات عن نوع الحقيبة، وأسماء الوزارات والمذاهب والمرجعيات التي ستُسمّي الوزراء، ليتمّ فقط إسقاط الأسماء بعد الموافقة على التقسيمات التي تُعطي الثلث المعطّل للرئيس (1+6).

وبين هذه المواقف وتلك، والتي يتهم كلّ منها الطرف الآخر بالإستقواء والسيطرة، يبدو أنّ اللقاء الـ 19 بين عون والحريري لن يكون قريباً، على ما يطمح الراغبون في ولادة الحكومة في أسرع وقت ممكن. غير أنّ المصادر ترى بأنّ الجرّة لم تُكسر بين الرجلين، ما دامت المواقف على حالها. فثمّة أمل بحصول هذا اللقاء، خصوصاً وأنّ الجميع يريد إنقاذ البلد من الأزمات التي يُعاني منها، فيما عدم التشكيل يدفع بالأمور الى الأسوأ. ولفتت الى أنّ الوقت ليس لليّ الأذرع أو كسر الرؤوس، إنّما لإيجاد الحلول والبدائل، ولكن، على ما يبدو، لا نزال في مرحلة الإنتظار لكي تتمّ التسويات الخارجية أوّلاً، عندها يُصبح التوافق الداخلي مُمكناً لا بل مفروضاً على المسؤولين المعنيين.

فهل يلجأ الحريري الى الإعتذار، أم تقوم الأطراف مجتمعة على تعويم حكومة الرئيس حسّان دياب المستقيلة كونها الخيار الأخير أمام عرقلة وتجميد تشكيل الحكومة الجديدة؟ تُجيب المصادر نفسها بأنّ كلّ من الفريقين سوف يعيد النظر خلال الأيام المقبلة في خياراته في ظلّ ما وصل البلد اليه، وفي موضوع اللقاءات غير المجدية بين عون والحريري، بالطبع سيجد الحلول لمعالجة الوضع المجمّد المفتوح على خيارات عدّة. وإذا وجدت الأطراف أنّ الطريق مسدود أمام ولادة حكومة جديدة، فسيُصبح تعويم حكومة دياب أحد الخيارات الجديّة المطروحة، سيما وأنّ دول الخارج بحاجة الى مسؤول تتعاطى معه وتثق به لتمنحه القروض والمساعدات المالية، وإن كان دياب لا يحبّذ هذا الأمر بعد أن جرى تفشيل عمل حكومته، على ما يقول. ولكن تبقى العودة الى تشكيل حكومة تكنوسياسية من 20 وزيراً أو أكثر، تنهض بالبلد وتتحمّل المسؤولية، من الخيارات المطروحة أيضاً، ما دامت الأكثرية مواقفة على رفع عدد الوزراء لا سيما رئيس مجلس النوّاب نبيه والأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله وجنبلاط. وقد يقتنع الحريري في نهاية المطاف بهذا الأمر بعد أن يلمس أو يتأكّد بأنّ تشكيلته الحكومية الحالية لن تنال الثقة في مجلس النوّاب، وإن كانت مدعومة من الخارج، ولهذا عليه إعادة النظر والتراجع وتغيير موقفه في هذا الإطار.