لم تعد الأزمة اليوم أزمة تأليف حكومة، أو احترام صلاحيات منحها الدستور لرئيس الجمهورية أو الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة، بل تخطّت ذلك إلى مواجهة مفتوحة على كافة العناوين الدستورية والسياسية والمالية والإجتماعية والمعيشية، وأخيراً الصحية، بعدما طوى الصدام الذي حصل يوم الإثنين الماضي في قصر بعبدا، صفحة تشكيل الحكومة، وفتح صفحة جديدة باتت فيها الساحة اللبنانية، أمام احتمالات عدة، في ضوء معلومات ديبلوماسية، عن تلقّي بعض السفارات المعتمدة في بيروت تقارير استخباراتية دعت فيها الديبلوماسيين العاملين فيها إلى اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر في تنقلاتهم، وصولاً إلى إمكان الطلب منهم بمغادرة لبنان في هذه المرحلة البالغة الدقة والخطورة، بعدما تبيّن أن لبنان بات مكشوفاً أمنياً، علماً أن هذا الأمر كان قد أعلنه وزير الداخلية محمد فهمي صراحة في حديث تلفزيوني منذ أيام، وذلك، على خلفية عدم ظهور أية مؤشّرات إيجابية على احتمال تشكيل الحكومة العتيدة في المدى المنظور، الأمر الذي لا بد أن تكون له عواقبه الوخيمة على كافة المستويات والأصعدة.

وأشارت المعلومات الديبلوماسية نفسها، إلى أن الإصطفافات السياسية الحاصلة، والإتصالات التي شهدتها الساحة الداخلية لإعادة الأمور إلى مسارها الطبيعي بين بعبدا وبيت الوسط، فشلت في تطويق «انفجار» الخلاف الذي حصل إثر الجولة ال 18 بين الرئيسين عون والحريري. وبالتالي،تابعت المعلومات الديبلوماسية، أن الجهود التي تقودها فرنسا مستمرة، على الرغم من أنها خلصت إلى اعتبار أن الأزمة الحالية هي أزمة استحالة التوافق في المقاربات للمرحلة المقبلة، في ظل غياب أي عامل ثقة بينهما، وبالتالي، ما تردّد في الكواليس حول ندم الحريري، على القيام بالتسوية الرئاسية مع فريق «التيار الوطني الحر» والتي ساهمت في وصول الرئيس عون إلى بعبدا. كذلك، أضافت المعلومات، أن التركيز الدولي اليوم يتمحور حول رفض انهيار لبنان، ذلك أن هذا الأمر ينذر بتفلّت الأمور لتصبح خارج نطاق السيطرة.

وفي هذا السياق، كانت تحذيرات نقلتها المعلومات نفسها عن مراجع غربية وعربية، حول خطورة تفاقم الأزمة، وما يمكن أن ينتج عنها من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية ومعيشية، كاشفة عن قيام بعض المسؤولين الأوروبيين والعرب بمشاورات واتصالات وضغوطات للعمل على تسهيل تشكيل الحكومة في لبنان، ولكن الأمور بقيت تراوح مكانها، بحيث لم يحصل أي عملية تقدّم ولو لخطوة واحدة في هذا الإتجاه.

وعليه، فإن المعلومات الديبلوماسية ذاتها، لم تلحظ في الإستدعاءات المفاجئة لسفراء دول أساسية، وفي مقدّمها فرنسا، والمملكة العربية السعودية إلى قصر بعبدا، أية مؤشّرات تدلّ على اقتراب هذه الأزمة من نهايتها، وإن كان التأكيد يتكرّر يومياً من قبل كل المسؤولين اللبنانيين، على التمسّك بالمبادرة الفرنسية التي قضت بتشكيل حكومة قادرة على الإنقاذ. ولذا، فإن كل المعطيات التي تكوّنت لدى العديد من هؤلاء السفراء، تُجمع على استعصاء التفاهم بين الرئيسين عون والحريري، وهذا الواقع هو الذي دفع بالأمم المتحدة إلى التدخل باتجاه بكركي وقصر بعبدا، عبر التواصل مع البطريرك الماروني بشارة الراعي من قبل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس أولاً، ومن خلال زيارة نائبة المنسّق الخاص في لبنان نجاة رشدي إلى قصر بعبدا، حيث كرّرت الدعوة إلى القادة السياسيين لترك خلافاتهم جانباً، وتحمّل مسؤولياتهم، وإنهاء حال الشلل القائمة، لأن الإصلاحات لم تعد قابلة للتأجيل.