حتى اللحظة كنا نعتقد أننا نتميز عن السوريين (كونهم الهنود الحمر)، بجمهورية أفلاطون (لا بجمهورية علي بابا)، وبفساتين مارلين مونرو وهيفاء وهبي.

هذا ناهيك بالكهرباء التي تشعشع، وفي المياه التي تتدفق، وفي الطرقات التي رصفت بالمرمر، وفي ساستنا الذين نقلونا من زمن الفحم الحجري الى الزمن الــنووي، وفي أولــياء أمرنا الذين جعلوا الخزينة تفيض بالمال العام (لا الخــزينة التي تفيض بالدين العام) طبعاً بأخلاقيات الأم تيريزا (لا بأخلاقيات تأبط شراً).

كنا قد تحدثنا كثيراً عن «ثقافة التفاهة. الآن. .. «ثقافة اللاخجل» !

هل كان باستطاعة غازي كنعان، أو رستم غزالي، أن يفعل بنا ما فعله، لو لم نلق بقاماتنا (قاماتنا العالية) على باب هذا وباب ذاك ؟ وهل كان باستطاعة ياسر عرفات أن يستبيح ترابنا، لو لم نمنحه صك البيع تحت عنوان «قوة لبنان في ضعفه» ؟ وهل كان باستطاعة آرييل شــارون أن يدق، بحذائه، باب القصر  لو لم يكن بين ساستنا البضاعة في سوق القبائل، وفي سوق الأمم؟

اليوم أوحى لنا أحد نجوم الاصــطفاف الثنائي الذي أحلّ لغـــة الزقاق محل لغة الدولة، بأن الهواء في بلادنا غير الهواء في سوريا. لنا هـــواؤهم ولنا هواؤنا. ألسنا جـــماعة «هاالكم أرزة العاجقين الكون» ؟ حتى تلك التخشيبة التي تدعى جامعة الدول العربية تعنى بأراكيل أصحاب المعالي أكثر مما تعنى بمصائبنا.

هذه حجتهم الأفلاطونية. لا نتعامل مع بشار الأسد لأنه قتل شعبه بالبراميل المتفجرة. فاتهم أنهم، كبراميل بشرية متفجرة، حولونا من جيران للقمر الى جيران للقمامة.

كان يفترض بالرئيــس السوري أن يفتح بلاده أمام رجب طيب اردوغان، بديموقراطية الباب العالي، وقد خاطبه رجل دين، في البقاع، ولطالما ترعرع بين قدمي رستم غزالي، «ادخل الى دمشق غازياً أو فاتحاً»، لتهتزعظام محيي الدين بن عربي الذي كان يرى في حجارة المدينة حجارة الأزل. كثيرون يهللون الآن لـ»السلطان التائه»، لتغدو بيروت ولاية عثمانية. يا لبهاء المشانق!!

ماذا كان حدث لو سقط النظام في سوريا، ولا نقول، قطعاً، انه النظام المقدس؟ وأي سوريا على تخومنا، بل وفي عقر دارنا، ما دامت أحصنة طروادة «شغالة» في وضح النهار ؟ سوريا اللحى المسننة، والأدمغة المسننة، لكأنها لحى القردة وأدمغة القردة.

لا ننفي أن العديد من المسؤولين السوريين، وعلى رأسهم عبد الحــليم خدام، كانوا ينظرون الى  الكثير من أهل السياسة عندنا القهرمانات حتى في خدمة «الست أم جمال»  التي كانت تدخل الى الدور على أنها تحمل تاج زنوبيا، أو تاج كليوباترة، ناهيك بتاج شجرة الدر...

هذا لا يحجب البعد الآخر في الدور السوري، وأياً تكن المآخـــذ والمثالب، الذي لولاه لبقي لبنان مبعثراً على خطوط التماس، ولبقيت الأقدام الهمجية على ترابنا .

لأي سوري شعر بالامتهان هواؤك هواؤنا. أيضاً أي منطق أن نحوّل المبادرة الرائعة من الشقيق للشقيق، وفي ظروف قاتلة، الى بروباغندا فارغة؟

نحن وســـوريا معا أمام المحن الكبرى. ثمة دول عربية وقد حولت سفاراتها الى ديوانيات للمرتزقة، ولناقري الدفوف، لم تقدم لنا سوى الكلام المقتطع اما من تغريبة بني هلال أو من مقامات بديع الزمان الهمذاني.

السوريون خرجوا من بلادنا منذ 15 عاماً. ماذا فعلت المنظومة السياسية سوى أن تكون المثال في التهتك الســياسي، والتهتك المالي، وحتى التهتك الطائفي والتهتك القبلي، الذي قتل الدولة وكل البنى الفلسفية للدولة ؟

ها أننا داخل الانهيار. ربما على قاب قوسين من الانفجار. لا تعنينا المواقف الغرائزية التي تقول ان السوريين تركوا أزلامهم وراءهم. كل هؤلاء كانوا أزلاماً للسوريين. من لا يعرفهم واحداً واحداً ؟

شئــنا أم أبينا ســوريا شقيقتنا، وتبقى شقيقتنا. في وجه من قال «هواؤك غير هوائنا ... هواؤك هواؤنا !!