التسويات في لبنان لحل ازماته كانت تحصل بقرار خارجي ولم تكن في تاريخه ومنذ استقلاله، صناعة لبنانية، وولادة دولته كانت بإرادة فرنسية معطوفة على مطلب البطريرك الماروني الياس الحويك.

ففي العام 1943 حصلت تسوية بين كل من الرئيس بشارة الخوري والرئيس رياض الصلح بما عرف «بالميثاق الوطني» و«صيغة العيش المشترك» ولم تتم الا بدعم بريطاني ضد الاستعمار او الانتداب الفرنسي، لتكر سبحة التسويات بعد كل ازمة سياسية واقتتال داخلي وحرب اهلية. هذا ما جرى في العام 1958 تحت شعار «لا غالب ومغلوب» بعد نهاية عهد الرئيس كميل شمعون، وانتخاب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب بقرار اميركي - مصري، ثم كان «اتفاق الطائف» كتسوية رعتها دول السعودية واميركا وسوريا التي اوقفت الحرب الاهلية التي بدأت باردة منذ العام 1969 مرورا بالعام 1973 وصولا الى الفتنة التي اندلعت في 13 نيسان 1975 لتمتد الى نحو 15 سنة حصلت خلالها محاولات لوقف الحرب التي تداخلت فيها عوامل داخلية لبنانية، واخرى فلسطينية ترتبط بالتسويات المطروحة للمسألة الفلسطينية والصراع العربي - الاسرائيلي، اضافة الى الحرب الباردة بين القطبين الاميركي والسوفياتي، اذ نتج من ذلك ان لبنان تحول الى ساحة حروب مباشرة او بالوكالة فدخل السوري بجيشه والاسرائيلي بقوات احتلاله في غزوي 1978 و1982 وحضرت القوات المتعددة الجنسيات التي كان الجيش الاميركي الاكثر فيها.

هكذا هو لبنان، ساحة صراع وتسويات، كان ابناؤه وقوداً فيه واحياناً بارادتهم، تقول مصادر نيابية مواكبة للحراك السياسي الداخلي في انتاج تسوية للازمة السياسية ـ الدستورية، المولودة من رحمم تشكيل الحكومة، ومن بنية النظام الطائفي، اذ لا ترى احتمالات لنجاح لبناني في انتاج حل للازمة، التي تقف على صفيح ساخن، بدأ يحرق من يقف عليه، حيث اخفقت مبادرات الداخل، التي قام بها كل من البطريرك الماروني بشارة الراعي، والوسيط المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم، كما رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي ينسق تحركه مع الرئيس نبيه بري، على تسوية تقوم على رفع عدد اعضاء الحكومة ما بين 20 و24 وزيراً، على ان لا يكون لاي طرف الثلث الضامن فيها، حيث ما زال الرئيس المكلف سعد الحريري يتشدد في عدد 18 وزيراً، ويعمل رئيس مجلس النواب على تليين موقف الحريري، وهو ما حاول جنبلاط العمل عليه في طرحه للتسوية بعدما لمس مرونة من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، بما يخص الثلث الضامن، واكد امامه رفضه له.

لكن المبادرات الداخلية باتجاه التسوية، لم تحقق تقدماً، تقول المصادر، التي توقفت امام ما اعلنه الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، عن اجواء ايجابية داخلية، تقوم بها اطراف سياسية، اذ عبّر عن تفاؤله حول جدية التحرك اللبناني، وهو صاحب اقتراح «لبننة الحل»، وتقديم تنازلات متبادلة، بعدم التمترس حول المطالب والشروط من هذا الطرف او ذاك، وسبق له واقترح رفع عدد الوزراء، دون ثلث ضامن لاحد، وهو يصب في تسوية تقدم بها جنبلاط واقتنع بها بري، الذي يسوق لها مع سيد بكركي، وتجاوب معها الرئيس عون، الذي فتح باب التسويات، ويبقى على الحريري ان يعلن موقفه، من التسوية المطروحة.

والتسوية المتداولة في عين التينة وكليمنصو وحارة حريك وصولا الى قصر بعبدا، تنتظر رداً من بيت الوسط، الذي تكشف المصادر، ان الرئيس المكلف قد يكون مكبلاً بشروط خارجية، مثل انه رشح نفسه تحت سقف المبادرة الفرنسية، لتشكيل حكومة دون حزبيين ومن اصحاب الاختصاص، وهي الصيغة التي قدمها قبل نحو خمسة اشهر لرئيس الجمهورية، ولم يقبلها، وتمسك الحريري بها في آخر لقاء عقد بينهما وتوقفت الاتصالات بعده.

فبعد تجاربه التي قام بها الحريري، لا سيما في مسألتين وهما «التسوية الرئاسية» 2016 التي اوصلت العماد عون الى رئاسة الجمهورية، وقبلها «ربط النزاع» مع «حزب الله» ليشارك في الحكومة عام 2017، ولاقى لوما عليهما من السعودية، فانه لن يقدم على «دعسة ناقصة» من جديد.

لذلك فان العمل على تسوية داخلية، بحاجة الى قرار وتأييد خارجي، قد يأتي من فرنسا صاحبة المبادرة، او السعودية التي لها شروط، لحكومة دون «حزب الله»، فهل يحصل ذلك كما في التسويات؟