لم تقتصر الإساءة المعنوية إلى مؤسس الحزب السوري القومي الإجتماعي الزعيم الفذ أنطون سعاده على أعداء حركته الخارجيين وأخصامه الداخليين في أنحاء الوطن الخصيب، بل صَدَرَتِ الإساءة أحياناً من بعض أتباعه، بصرف النظر عن الخلفية، التي يمكن أن تكون راديكالية، أو تقليدية، أو مزاجية، أو مغالية في التحديث الإفتراضي.

ما من ريب في أن سعاده أقرَبُ إلى الأوقيانوس المعرفي منه إلى رجُلِ الومضات العابرة. دليلنا على ذلكمؤلفاته الفكرية الطليعية ورسائله التوجيهية الباهرة ومواقفه المبدئية النوعية وقدوته النظرية والعملية. يضاف إلى ذلك أنه نجح في التبنّي المنهجي لمنظومة حياة جديدة لها قيَمُها النهضوية التي أبرزُ ما فيها حمولتها المناقبية الوازنة.

لكنّ سعاده هو البوصلة لا الوصاية، والمدى لا الإنسداد، والرحابة المُرَكّبة لا محدودية البسائط. وهو الروحية لا الحرف، والمفهوم لا اللفظ المكرور، بل دلالة المصطلح القصدية لا أسطوانته المستعادة... كل ذلك لأن المذهب الفلسفي القومي الإجتماعي تعبير عن حياة موّارة بالآفاق، معادية للجمود والتراكم والحتميات، مفتوحة على الممكنات الحَفّازة للعقل الإنساني الخلاق.

هذا لا يعني ولا يجوز أن يعني بأن لا قالب يفكّر فيه القوميون الإجتماعيون سوى قالب سعاده، أو أن لا قاموس يَصْلُح للإستخدام إلا قاموسه. صحيح أنه وضع القواعد والأسس والمداميك ، لكنْ لعلّ من مآثره أنه عمد إلى التجديد من قلب لغتنا القومية وإلى تهوئة مُعجمها التقليدي المغلق، على الأقل من جهة الذين تَجَمد تفكيرهم وتَخَشّبّتْ لغتهم إلى درجة باعثة على التقيؤ. قال سعاده في كتابه السوسيولوجي الريادي (نشوء الأمم) :»يجب أن تكون حياة الأُمة أقوى من تقاليدها وإلا قتلتْها التقاليد».

إن سعاده نفسه لم يخترع سورية ولا اختلقَ لها الشعب والأرض. لقد نظّم قضيتها في مبادئ حزب غائيّ يدعو إلى وحدة الأمة والوطن ويعمل لتلك الوحدة المترافقة مع غاية بعث نهضة قومية وإقامة جبهة عربية حصينة. وسعاده استلهم من تراث أمّته الحي ومضاتٍ مضيئة لا يمكن إنكارها. منها ،على سبيل المثال لا الحصر، استلهامه معادلة العقل الإنساني المرادف لوجود الإنسان الحضاري، من التراث الرُّواقي الزّينوني الذي سبق معادلة العقل الهيغلية بمئات السنين. كذلك نقول في نحت سعاده من متحف جبران خليل جبران الثقافي تعبير «الأمّة السورية» بل حتى تعبير «أبناء الحياة» ، كما أنه اقتبس من مكايفِر تعبير «المتحد»، واعتبار أن «الأمّة هي المتحد الأتم». لعله أراد بالتطبيق العمليّ أن يؤكد المقولة الجبرانية التي جاء فيها أننا جميعاً وَرَثَة التراث الإنساني العام، بمعنى أن أحداً لم يأتِ من فراغٍ ولم ينبُت من تربة العدم.

بعد ذلك يأتي من يسأل، مثلاً، عن سبب اعتبار ناصيف نصار مفكراً كبيراً،هذا الذي صنّفَته الموسوعة الفرنسية على ثلاثة أعمدة فيلسوفاً لا مفكراً فقط، إضافة إلى تكريمه المستحق من مؤسسات عالمية كاليونيسكو، قياساً على مؤلفاته الغنية الوفيرة في البناء الفلسفي الهادِف إلى استحداث نهضة عقلانية حديثة. لكننا نسأل: هل ثمة من يتصور أن بلادنا لم تُعطِ سوى مفكر واحد بحيث انتهى الفكر من بعده وجَفّتِ العقول؟ وبناءً على هذا التوهم القاصر «وجَبَ» على الكُتّاب عدم إطلاق صفة مُفَكّر إلا على الرجُل الذي التبَسَ على بعض تلاميذه أنه أكبر من محدودية تفكيرهم، ومن ظنونهم بأنه احتكر الفكر وعَلّبَه على أحجامهم؟ ونحن نقول لمن يدعو إلى إقحام إسم سعاده في أي مقالة أو بحث أو محاضرة «رافضاً» عدم الإستجابة لهذا الإقحام: من أنت لتقبَل أو لترفض؟ وهل سَدَّدتَ اشتراكك الواجب بعد اختيارك الهجرة منذ عقود أم أنك تفضّل التنظير والمزايدة والقفز أمام المخلصين؟ ما إنتاجك الفكري وما حجمك في المعادلة الثقافية سواء في الوطن أو في بلاد الإغتراب؟ ما محلك من الإعراب في ساحة التفاعل والتجديد والإنتاج؟

إن سعاده مدرسة فكرية – نضالية – أخلاقية أطلقَتْ لهباً نورانياً ساطعاً، وأينعَتْ في روضتها الغناء ثمارُ الشهادة والفن والأدب والمسرح والحداثة وأصالة النظرة الجديدة، عِلماً أن الأصالة دائمة التجدد... على خلاف التجدد الذي ليس أصيلاً على الدوام. هذه المدرسة ليست منجم من أجل الفكر ولا شلال تضحية من أجل التضحية بمقدار ما هي مدرسةٌ تغييرية نحو الأفضل، ومنظمةُ إنشاء إرتقائي جماعي مبدع. هكذا ارتسَمَتْ في نفوسنا لحظة أقسمنا اليمين، وهكذا تبقى في النفوس المؤمنة بسُمُوّ الغاية العظمى حتى الرمق الأخير.