«إسمع يا رضا كل شي عم يغلى ويزيد مبارح كنّا عالحديدة وهلّق صرنا عالحضيض»، لم تكن أغنية زياد الرحباني نافذة المفعول فقط عام 1978 إلاّ أن كلماتها تمثل اليوم الوضع المعيشي المتأزم؛ حيثُ نسبة الفقر إلى ارتفاع ونسبة غلاء الأسعار «جنونية».

بالأرقام، وصلت «نسبة الفقر في لبنان إلى 55 في المئة عام 2020، بعد أن كانت 28 في المئة في 2019، فضلاً عن ارتفاع نسبة الذين يعانون من الفقر المدقع من 8 إلى 23 في المئة خلال الفترة نفسها»، بحسب دراسة أعدتها لجنة الأمم المتحدة الإجتماعية والإقتصادية لغرب آسيا (إسكوا). وفي غضون ذلك، ارتفع معدل الألبسة والأحذية 289,8 في المئة عام 2020، بحسب إدارة الإحصاء المركزي. كما أظهرت دراسة أخرى لـ«بلومبرغ» ارتفاع أسعار هذا القطاع بنسبة 559,8 في المئة. أمام هذا الواقع، كيف تبدو حركة الأسواق؟ إلى ماذا يلجأ المواطن لتأمين حاجاته؟ وماذا عن المناسبات الرسميّة؟

الأسواق... في خبر كان!

يقول رئيس جمعية تجار جونيه وكسروان-الفتوح سامي العيراني لـ«الديار» انه «كان من المتوقع بعد الإقفال عودة الحركة نسبياً إلى طبيعتها إلاّ أن حركة الأسواق شبه معدومة. وبالرغم من أننا في فترة أعياد، بين عيد الشعانين وعيد الفصح، إلاّ أن الناس لم يشتروا. والسبب الأبرز يعود الى انعدام القدرة الشرائية لدى المواطن، والتي باتت مكرسة لتأمين لقمة العيش. ولا شكّ أن الأزمة الإقتصادية وخصوصاً عدم الإستقرار الذي نتج منها، دفع الكثير من الناس الى الإحتفاظ بأموالها».

ويؤكد العيراني أن «الأسواق في حالة إنكماش، والمحال التجارية إلى مزيدٍ من الإقفال. أما بالنسبة للمحال التي تُعنى ببيع «الماركات» العالمية فأقفلت فروعها وغادرت لبنان إلى غير رجعة». ففيما الأسواق تعاني من جمودٍ تام...كيف يؤمن المواطن حاجاته؟

 محال تجارية تتناسب مع القدرة الشرائية ! 

«فابريك إيد» - «Fabric Aid»، مؤسسة لبنانية تجمع الملابس والأحذية والمجوهرات الجديدة والمستعملة، المُتبرع بها، تفرز البعض منها وتبيعها في فروعها الخاصة. تقول مديرة التسويق، لوليا حلواني، في حديثٍ لـ«الديار»، انه «كان الهدف بدايةً، تأمين تجربة تسويق كريمة للناس التي تعيش تحت خط الفقر، من خلال بيع الملابس المستعملة والمُتبرع بها والتي تتمتع بجودة عالية، بأسعار تتراوح بين 500 و3,000 ليرة لبنانية. وتتوزع فروعنا على طرابلس، عكار، وادي الزينة وبرج حمود. ولكن بعدما بدأت الأزمة الإقتصادية، فتحنا فرعاً آخر في كانون الأول عام الماضي، في منطقة الحمرا، بهدف مختلف على قاعدة «خود وأعطي»؛ يمكن للناس شراء الملابس المستعملة بأسعار معقولة معدلها يتراوح بين 35 و40 ألف ليرة، إشارة إلى أن المحل يتضمن «ماركات» عالمية. ويمكن للناس بيع ملابسها المستعملة، التي تستوفي شروطاً محددة، والحصول على مردود نقدي».

وتؤكد حلواني أن «الناس بدأوا يتأقلمون بفكرة شراء ثياب مستعملة بما أنها ثياب ذات جودة عالية على عكس ما قد يفكر البعض.وتشير إلى أن «نسبة التبرع إنخفضت في الآونة الأخيرة بما أن الناس لم يعد بإمكانهم شراء ثياب جديدة فاحتفظوا بالموجود لديهم. وعلى المقلب الآخر، هناك حركة شراء «ديناميكية» لدى محالاتنا بسبب الأسعار التي تتناسب مع الأوضاع الراهنة حيثُ تمّ بيع، حتى هذه اللحظة، 172,500 قطعة».

 مبادرة أخرى... «عالطريق» 

من على وسائل التواصل الإجتماعي، يحضّر نبيل أبي حبيب ويورغو سلّوم لإطلاق مشروعهما الذي يرتكز على بيع ثياب مُعاد تدويرها. وفي السياق، يشير أبي حبيب إلى «أننا نعمل منذ ثلاثة أشهر على تطوير هذا المشروع حيثُ جمّعنا عدداً كبيراً من الثياب المُتبرع بها وتعاقدنا مع المصممين والخياطين لبدء التنفيذ». أما بالنسبة للسبب وراء هذا المشروع فيقول أبي حبيب انه «بيئي بالمرحلة الأولى إذ انه يُقّدر أن 4,000 طن من نفايات لبنان سنوياً هي ناتجة من منسوجات الثياب. وبالتالي إعادة تدويرها ستساعد على التخلص من هذه النفايات بطريقة سليمة بيئياً. وبالتوازي، هدفنا هو بيع هذه الثياب بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية لدى المواطن حيثُ ستتراوح الأسعار بين 30 و100 ألف ليرة كحدٍ أقصى».


 ماذا عن المناسبات الرسمية ؟

بما أن حفلات التخرج على الأبواب، وغيرها من المناسبات، وفي ظلّ جنون أسعار الفساتين الرسمية، مبادرة ستنقذ الفتيات! أطلقت ساندرين فرح مشروعها على صفحة على مواقع التواصل الإجتماعي التي تعرض من خلالها الفساتين الرسمية التابعة للراغبات عرض فساتينهنّ للإيجار. وبالتالي تختار المتابعات فستاناً، وتدفع المبلغ المتفق عليه من قبل صاحبة الفستان وفقاً لجودته ونوعيته. وعن الأسعار، تقول فرح أنها «تتراوح ما بين 200 و600 ألف ليرة لبنانية، وهو مبلغ مقبول بالنسبة لأسعار السوق وجودة الفساتين».

أمّا عن سبب إطلاقها هذا المشروع فتقول فرح انه مع اقتراب حفل تخرجها في الجامعة، راقبت أسعار الفساتين مع صديقاتها، ولاحظن أن الأسعار «خيالية»، وبالتالي تفوق قدرتهنّ الشرائية. «لذا، فكرنا أن لدينا فساتين لبسناها فقط مرّة واحدة فلماذا لا نستفيد منها ونفيد غيرنا بها». وختمت فرح مؤكدةً أن هناك إقبالاً كبيراً على الفكرة وتواصل معها العديد من المتابعات الراغبات لعرض فساتينهنّ للإيجار».

دفعت الأزمة الإقتصادية الى تسوق اللبناني بطرق غير مألوفة، وبعيدة عن الأسواق التقليدية بسبب غلاء أسعارها. فالمواطن بدأ يستفيد من تلك المبادرات وبالتوازي تلملم البيئة ما تبقى منها في لبنان عبر إعادة تدوير الثياب أو إعادة إستخدامها. إذ أظهرت دراسة نشرتها «WRAP»، وهي جمعية تعمل عبر ست قارات مع الحكومات والشركات والمواطنين لإستخدام الموارد بشكل مستدام، أن «تمديد عمر الملابس تسعة أشهر فقط يقلل من إنبعاثات الكربون والمياه ومنسوجات النفايات بنسبة 20 إلى 30 في المئة». فهل الأزمة الإقتصادية ستدفع التجار الى التفكير في حلول «بيئية»، لتصبح البضاعة أقل كلفة، ويعود بذلك الزبائن إلى التسوق؟