لا نعتقد أننا سنرى، يوماً، الدبابات وهي تحاصر البيت الأبيض، أو وهي تحاصر تلة الكابيتول . ولكن ما يتبين من تعليقات الصحف الكبرى، خلال الشهرين المنصرمين، أن البنتاغون تدخل، أكثر من مرة، لضبط الايقاع الجنوني في سياسات دونالد ترامب. تالياً، الحيلولة دون انفجار الشرق الأوسط. ربما دون انفجار الكرة الأرضية!

لم يكن هناك من حدود لنرجسية، أو لدونكيشوتية، الرجل . كان يعتقد أن مرحلة ما فوق التاريخ ينبغي أن تبدأ معه، بعدما بدأت مرحلة ما بعد التاريخ مع هاري ترومان الذي ألقى القنبلة الذرية على هيروشما وعلى ناغازاكي.

لا مشكلة في ازالة ايران، أو كوريا الشمالية، من الوجود. من هنا، كان الموقف المدوي للجنرال جون هايتون الذي بيده مفتاح الغرفة النووية: لن أنفذ أي أمر غير قانوني يصدره البيت الأبيض.

كل الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس، ومعهم أعضاء ديمقراطيون، ضد العودة الى اتفاق فيينا دون استسلام آيات الله. هنا مأزق جو بايدن الذي يبدو، واضحاً، أنه يستند الى آراء الجنرالات الأقل تشدداً من آراء الشيوخ.

غالبية الجنرالات متخوفون فعلاً من تحول العلاقات بين بكين وطهران الى «علاقات عضوية»، مع ما لذلك من تداعيات دراماتيكية على الخارطة الاستراتيجية (المستقبلية) للولايات المتحدة. الأمبراطورية التي يرى كبار الباحثين أتها لم تعد بالقوة ذاتها بعد ظهور التنين الأصفر الذي بات يستقطب دولاً كثيرة في العالم، وصولاً (حتى) الى أوروبا .

بطبيعة الحال، أصحاب الخوذات ليسوا مفتونين بأصحاب العمائم . لكنهم، كرجال ميدان، يدركون أن الحرب باتت النسخة المروعة عن جهنم. أكثر براغماتية، وأكثر ديمقراطية من المشترعين الذين يفاخرون بأن مبنى الكونغرس الذي أقيم على الطراز الروماني أهم حصن للديمقراطية منذ أفلاطون ...

على هؤلاء أن يتعاملوا أيضاً مع جنون بنيامين نتنياهو الذي تتقاطع فيه لوثة السلطة مع اللوثة التوراتية. غالبية القادة في «اسرائيل» يلاحقهم هاجس الهولوكوست. شلومو صاند، صاحب «كيف تم اختراع الشعب اليهودي ؟»، قال «ان مشكلتنا في كوننا نتعامل مع العرب الذين كان يمكن أن يتحولوا الى ضحايا مثلنا لولا معركة العلمين، كحطب بشري، في حين أن قضيتنا في مكان آخر».

في رأي المعلقين أن تقارير الاستخبارات العسكرية تؤكد أن القيادة الاسرائيلية لن تتردد في اعطاء الأوامر الى الغواصات التي تصول وتجول على مقربة من مضيق هرمز باطلاق الرؤوس النووية على ايران. في هذه الحال، كيف يمكن للدولة العبرية، بالمساحة الضيقة، وبالمدن المكتظة، أن تتحمل مئات آلاف الصواريخ التي لا تقل مفاعيلها عن القنبلة النووية؟

هذا مع تدمير الصواريخ الفائقة الدقة، وبالحمولة الهائلة، المنشآت الحيوية، والقواعد الجوية والبحرية.

من هذه النقطة بالذات، يرى البنتاغون أن اتفاق فيينا (عام 2015 ) كان مثالياً بالنسبة الى بقاء ديناميات الصراع تحت السيطرة. خروج دونالد ترامب منه يعكس البعد الهيستيري في شخصية هذا الرجل الذي كانت ايفانكا، لا أميركا (ولا أميركا العظمى)، تتجول، بالكعب العالي، في رأسه.

حائكو السجاد يتصرفون الآن مثلما كانوا يتصرفون أثناء التجاذبات التي سبقت الاتفاق. السفير السابق في بيروت غضنفر أبادي، بالشخصية الراقية والمميزة، أخبرني بأن الديبلوماسي الأميركي وليم بيرنز، وهو الآن مدير وكالة الاستخبارات المركزية، ظل، لساعات، يذرع بهو أحد فنادق جنيف ريثما يوافق المفاوض الايراني على الالتقاء به . هذا لم يحصل، وعاد بيرنز الى واشنطن خاوي الوفاض.

هم واثقون من أن الأميركيين الذين طرحوا معادلة خطوة مقابل خطوة في مسار اعادة احياء الاتفاق، لا بد أن يتراجعوا، في نهاية المطاف، لخشيتهم من أن يفاجأوا بالقنبلة تحت عمامة آية الله خامنئي، أو من أن تصبح ايران، بالموقع الجغرافي الفائق الحساسية، حليفة للصين في الصراع الذي يدق، بقوة، على أبواب القرن.

ليس الجنرالات من يحاصرون البيت الأبيض بل «الحاخامات»، وسواء في مجلس الشيوخ أم في مجلس النواب، في ظل الضغوط الهائلة التي يمارسها «اللوبي اليهودي»، الذي له رجاله، أيضاً، داخل ادارة جو بايدن.

النتيجة أن المفاوضات، وأياً كان الشكل الذي تأخذه، لا بد أن ترتطم بعوائق كثيرة، قبل أن تتبلور الصيغة النهائية، وهي حتمية اذا ما أخذنا بالاعتبار رأي البنتاغون في الحؤول دون ايران والوصول، بعلاقاتها مع الصين، الى الخطوط الحمراء، أو ما بعد الحمراء ...

جنرالات وشيوخ. صراع الديكة أم صراع الفيلة ؟