هل يشبّه بعض الناس ، في بلادنا وخارجها ، مقاوِمي شعبنا بالذاهبين إلى الحج حيث الرجوع بات سِمة غالبة للحَجِيج المُتعَب؟ وهل ثمة قبول راهِن لمناصري المقاومة حين تكون الحاجة سيدة على أوساط فقيرة وأخرى يائسة؟ هذا هو الموضوع الذي يعنينا عموماً ، وبالأخَص حين يصل أمير الأشهر نيسان إلى تُساعِيّته ،أي الى اليوم النابض في ذاكرتنا منذ 1985 لأنه اليوم الذي هزتْ فيه ابنة «عنقون» البطلة - على معبَر «باتر»- العالَمَ بأسره ،لا جنود الإحتلال «الإسرائيلي» الجاثم على صدر أرضنا الجنوبية المعطاء فقط.

سناء محيدلي

أيتها الفادية المتصدية لأشواك الشر المستطير على وِسْع الإجتياح الخبيث، الذي لم يوفّر أول عاصمة في الوطن الخصيب، تدنسه أقدام الغزاة المُستجلَبين من أربع زوايا الشتات من أجل أن يستوطنوا –بالمشروع الأخطبوطيّ التزويريّ الخطر- بلاداً عامرة بالتراث الحضاري، حيث لفّقوا لفلسطينها المُقدَّسة شعار الخطة الصهيونية المرتبطة بحركة الإستعمار العالمي وفحواه «أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض».

هكذا زيَّف الصهاينة، بتوجيه ودعم عالميَّيْن يندى لهما جبينُ الإنسانية خجلاً ، حيثيات مشروعهم التوسعي الإقتلاعي الذي لا يقوم إلا على رابية من الجماجم البشرية المهدورة، وعلى عقود من القضم والتوسع السرطاني والحروب الإجرامية والغدر والإضطهاد ومصادرة الأرض والتاريخ والحقيقة، وتسميم الأجِنّة، وإقامة المستعمرات، وامتصاص خيرات فلسطين الحبيبة والمناطق الأخرى المحتلة من سيناء إلى الجولان فمزارعِ شبعا وكلِّ حبة من التراب الذي انزرع فيه الآباءُ والأجداد، وتأصّلتْ فيه أغصان الزيتون، وانداح عليه رحيقُ البرتقال وبخورُ بيتَ لحم المتقاطعة بمآذن القدس ورذاذِ نهرِ الأردن وبحيرةِ طبرية.

لم تكن سناء محيدلي الشهيدة الأولى في موكب الفداء القومي لأمتنا ولن تكون الأخيرة. لكن قيمة استشهادها تكمن في إرادتها الإستثنائية أن تستشهد بقرار ذاتي تاريخي وهي فتاة حيوية في عمر الورود الواعدة، التي لم ينسكب دمها إلا ليروي أرضاً مجبولة بالكرامة، أرضاً يجوع أهلها لِما هو أكثر من الخبز ويعطشون لِما هو أكثر من الماء. من هنا فرادة سناء ومن هنا ألقها الذي بدّدَتْ أشِعتُه عتمةً أزالها شلالُ الشهداء الهادر ، من أول شهيد على درب القضية السامية إلى جميع الشهداء الأبرار من المقاومة والجيش في فلسطين ولبنان وسورية قاطبة.

لكِ الخلود يا عروس المقاومة النبيلة، المُتشربة روحية العِزّ والمكلَّلة بمجد الشهادة. أليس الإستشهاد تعبيراً بليغاً عن الشعور العالي بالمسؤولية تجاه القضية ؟ أليست الشهادة كالخمر، كلما تقادَمَ عليها الزمن تَعَتّقَتْ وطاب مذاقها؟ هذه الحرية النفسية الفاعلة هي الرد الذي يعتمده المنزرعون في كَبد الأرض وفي جُرح القضية. أما المُراؤون الذين يراقبون أعداد الذاهبين إلى الحج ويقارنونها مع العائدين منه ليتخذوا الموقف الإنتهازي المؤاتي لصغائرهم، فقد فاتهم أن الفضاء يصفو والشمس تشرق بعد انقشاع الغيوم، وأن الحياة لا تكون سوى للأعزّاء في نفوسهم لا للأذلاء.