لبنان في دائرة الخطر: أمن مُتفلّت وفوضى.. فهل من حلول؟

يُواصِل لبنان تحطيم الأرقام القياسية في عدّادات التراجع على جميع الأصعدة والمجالات على وقْع أسوأ انهيار اقتصادي واجتماعي في تاريخ البلاد تعيشه منذ 17 تشرين الأوّل 2019 حتّى اليوم، كما يرى العديد من الخبراء، إذ لوحِظَ في الآونة الأخيرة أيضاً ارتفاع نسبة السرقة والنشل والجرائم على أنواعها.

وفي الأرقام وبحسب أحدث إحصائيات المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي اللّبناني فإنّ نسبة جرائم القتل في لبنان عام 2020 ارتفعت الى 83% و جرائم السلب عموماً، بعيداً عن السيارات ارتفعت بنسبة 146.9%. أما سرقة السيارات فقد بلغت نسبتها 112.8% وذلك طبعاً مقارنة مع العام 2019.

فيما أحصت قوى الأمن الداخلي اللبناني ارتفاع معدل السرقات الموصوفة بواسطة الكسر والخلع لمنازل ومحال وصيدليات فبلغت 2534 فيما كانت 1610 عام 2019 بزيادة نسبتها 57.3%.

أمّا بالنسبة لعام 2021، فيؤكّد مصدر أمني للديار أنّه وبالرغم من عدم وجود أرقام حتّى الآن لإحصاء نسبة الجرائم والنشل والسرقات في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2021 إلا أننا نستطيع أن نجزم بأن النسبة تأخذ المنحى التصاعدي مع ظهور أشكال جديدة مثل سرقة أغطية قنوات الصرف الصحي وكابلات الكهرباء والهاتف والفواصل الحديدية على الطرقات العامّة وحتّى أبواب المدافن، بحيث أنه بسبب الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع نسبة البطالة الى ما فوق ال 65% وتدني مستويات المعيشة الى ما دون خط الفقر، بات المواطن يبحث عن إبرة في كومة قشّ وإن كان سيكلّفه كرامته ولقمة العيش الكريمة.

ويُشدّد المرجع الأمني أنّ القوى الأمنية تضافر جهودها، عِتادها وعتيدها لتكون السدّ المنيع ولتصدّي كافة أنواع العصابات وكلّ من يُخِلّ بالأمن في البلاد، والدليل على ذلك هو ارتفاع نسب الموقوفين ونسب إلقاء القبض على اللّصوص والعصابات بمُجمَلها.

وبحسب المصدر الأمني فإنّ الارتفاع الحالي في معدلات الجرائم هو نتاج أسباب متعددة وأبرزها حالياً مرتبطة بالاقتصاد وعدم الاستقرار السياسي، وتدهور حال الّليرة مقابل الدولار الأميركي، هذه الأسباب التي دفعت بالمواطن الى اتباع اسوأ السُبُل من أجل البحث عن لقمة العيش.

} كيف يُفسّر علم النفس الاجتماعي ظاهرة تفشّي السرقات والجرائم؟ }

«السرقة هي عدم قدرة السارق على التحديد والفصل بين غرضه وغرض غيره». هكذا تُعَرّف هيلين عيسى، الاختصاصية في علم النفس العيادي والمرضي - مُحلّلة نفسية، السرقة بشكل عام خلال حديث خصّت به الديار بعد اعتكافها عن اجراء اللقاءات الصحافية بسبب تردّي الأوضاع في البلاد.

يقسم علم النفس السرقة الى نوعين بحسب عيسى، فتقول: « السرقة نوعان، الأوّل ما يُعرف بالـ «كليبتومانيا» «Kleptomanie « وهي السرقة لهدفٍ نفسي وعاطفي حيث يهدف السارق الى سرقة أغراض تعني له نفسياً ومعنوياً من شخص يعرفه لتركها في خانة الذكرى مثلاً. أمّا النوع الثاني فهو السرقة بمفهومها العامّ “Le vol” يُسببها العوز والفقر والحاجة والأذى.

فالظاهرة التي نشهدها اليوم تصُبّ في هذه الخانة، تضيف عيسى، فنلاحظ ارتفاعاً في النسب جرّاء الحالة المترديّة التي وصل اليها المواطن اللّبناني، وجرّاء التفاوت بين الطبقات الاجتماعية، فالفقير بات فقيراً جدّاً أمّا الأغنياء فهي الطبقة التي تقتصر اليوم على أصحاب النفوذ فقط...!

ففي هذه الحالة، الناس أصبحوا أكثر حاجة لأدنى متطلّبات الحياة. ومع ارتفاع مستويات الفقر التي وصل إليها اللّبنانيون بسبب أداء الطبقة الغنيّة المتربعة على عرش السلطة والتي تحكم البلد، نصادف في الآونة الأخيرة عمليات سرقة مصحوبة بالجريمة لأنّ الفرد حين يجوع أو يرى أولاده جياع يستشرس بغية تأمين المستلزمات الأساسية وأدنى متطلبات العيش...»

ترى عيسى أنّ الخطورة الفعلية تكمن في عدم تطبيق القانون بشكل فعلي ليضع حدّاً لهذه الظاهرة، فدور القانون أن يحكم بالعدل والتساوي بين جميع أفراد الوطن فتسأل: «كيف لنا أن نحاسب مواطناً جائعا قد سرق، ولا نحاسب مصرفاً حجز أموال الشعب، أو مسؤولاً نهب المال العام مثلاً...؟ فهؤلاء هم من شرّعوا السرقات وأعادوا بأدراجنا الى الخلف، انتقلوا بنا من التمدّن الذي تطورنا لنصل اليه مع مرور الزمن، الى شريعة الغاب حيث بات كلّ شيء مُباح على قاعدة العين بالعين والسن بالسن والبادىء أظلم!»

وتُضيف: «تقع المسؤولية اليوم بالإجمال على الجميع دون استثناء، على المسؤول الذي اقتنص فرصة موقعه الرفيع كي يهيمن على المال العام، وعلى المواطن الّذي انتخب ذاك المسؤول، وأكثر، فالمسؤولية تشمل كلّ ناخب تقاضى مالاً كي ينتخب مسؤولاً غير كفوؤ اغتنم فرصة الوصول لنهب المال العام وسرقة حقوق المواطن، فلماذا نُحاسبُ مواطناً سرق بهدف الجوع (مما لا يُبرّرُ فعلته إطلاقاً) إنّما يجب على القانون أن يسري على الجميع».

أمام واقع صعب كهذا، تكثر فيه نسب السرقات والجرائم وخلفيات نفسية طبعتها في الشعب اللبناني حالة الوطن المتردية التي وصل إاليها، هل سنشهد مع الأيام المقبلة تَصَدُّر لبنان على حلبة السباق الدولي من حيث أعلى نسب في السرقة والجريمة؟ ممّا سيؤثّر سلباً في مستقبل لبنان على جميع الأصعدة عامةً والقطاع السياحي خاصة...