حلول عديدة جاهزة... فمن يُعرقل؟

هل صحيح أنه لم يبقَ لنا سوى البكاء على الأطلال؟ لم يعد بإمكننا الحديث عن أي إنجاز لبناني أو نجاح أو تميّز سوى بصيغة الماضي!؟ لقد كان لبنان بحق مستشفى الشرق الأوسط وكانت السياحة الاستشفائية في أوجّها نسبةً لما كان يملكه لبنان من تقدم وتطور في القطاع الصحي والاستشفائي.

كان يوجد في لبنان أكثر من 70 اختصاصاً طبياً، وأكثر من 12 ألف طبيب في مختلف الإختصاصات، وضم القطاع الإستشفائي اللبناني 161 مستشفى منها 7 مستشفيات جامعية بعضها تم اعتماده عالميا، وهي تحتوي على 15 ألف سرير، فضلا عن 13 ألف غرفة فندقية، وأطباء لبنان متخرجون من 46 دولة بما فيها لبنان.

يذكر أن العديد من المستشفيات والمراكز الصحية في لبنان حائزة على شهادة الجودة العالمية (ISO 900) وبعضها يستقبل مرضى من ذوي الحالات الصعبة مثل عمليات القلب المفتوح والنخاع الشوكي وزرع الأعضاء، بالإضافة الى عمليات التجميل والتنحيف وسحب الدهون والعلاج الفيزيائي وأمراض الأطفال وغيرها.

عام 2016 صرح مستشار وزير الصحة آنذاك الدكتور بهيج عربيد أن لبنان هو بحق مركز الشرق الاوسط الاستشفائي بسبب التخصصات الصحية وخاصة في طب العظام ومعالجة العمود الفقري، الى زراعة الاعضاء ومشاكل القلب والشرايين اضافة الى العلاج المتقدم بالنسبة للمنطقة في الامراض السرطانية، حيث يأتينا المرضى سنويا بالالاف وخاصة من الدول العربية المجاورة».

أهمية السياحة الاستشفائية في لبنان اتخذت موقعها لكون لبنان كان من أهم الدول المتقدمة في مجال المساحات العلاجية، منها على سبيل المثال التدرن الرئوي ومواقعها في الجبال ومنها مصح بحنّس في المتن الذي افتتحه المتصرف العثماني أوهانس باشا سنة 1909 كمصح لمرضى السل، واصبح بعدها يضم العديد من الاقسام الطبية وخصوصا مركز إعادة التأهيل الفيزيائي ومدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة من الشلل الرباعي عند الأطفال وغسل الكلى وهو يعتمد بشكل خاص كمصح علاجي ولكل أمراض العظم والشيخوخة، بالإضافة لمصحات للمعالجة من الادمان على المخدرات، وأخرى للامراض النفسية ودور العجزة والمسنين.

مع تسارع وتيرة الإنهيار الإقتصادي في لبنان مؤخراً، تأثرت كافة القطاعات وخصوصاً القطاع الصحي كونه يوجه إلى جانب الأزمة المالية أزمةً أخرى انهكته وهي جائحة كورونا. في تصريح حديث لنقيب المستشفيات الخاصة السيد هارون لفت إلى أنَّ الواقع الصحي مهدَّدٌ بالإفلاس، وان المستشفيات لم تعد قادرة على الاستمرار.

وفي سياق متصل كان لممثل الاتحاد الافريقي للرعاية الصحية الطبيب اللبناني محمد الساحلي مؤخراً مبادرة طرحها كجزء من خطة من أجل استعادة صورة «مستشفى الشرق» التي كان يتميز بها لبنان، فماهي هذه المبادرة وما هي آلية تفعيلها؟

إعتبر الساحلي أنه بعد الإنهيار الذي شهده القطاع الصحي في لبنان وصرخات النقابات المتتالية مترافقةً مع هجرة الأطباء والطواقم الطبية، وصولاً إلى الشح في المستلزمات الطبية كان لابد من البحث عن حلٍ ما.

أول طرح تقدم به الساحلي كان إنشاء بنك لكافة العاملين في الجسم الطبي لتبيان توازن توزعهم بين المؤسسات الطبية التي تعد كثيرة مقارنةً مع مساحة لبنان، كما يمكننا هذا المشروع من معرفة حاجات السوق وعدد الأطباء الخريجين في كل عام والاختصاصات الموجودة.

ثاني الأفكار كان مستوحًى من إعتماد القطاع الصحي بشكل كبير على القطاع الخاص، الذي بات على شفير الإفلاس أصلاً، من ناحية، ومن ناحية أخرى تراجع قدرات المستشفيات الحكومية تحت وطأة وباء كورونا.

لب هذه الفكرة أو المبادرة يتلخص بالدعوة إلى زيادة عدد أسهم المستشفيات الخاصة عوضاً عن بيعها، ومن ثم طرح هذه الأسهم المضافة للبيع أمام المغتربين اللبنانيين من خلال منصة يتم انشاؤها لهذه الغاية. الهدف الأساسي هو إدخال الدولار الطازج إلى لبنان لكي يصار إلى إستخدامه في دفع مستحقات قديمة للأطباء، شراء مستلزمات طبية، ومن ثم تحريك الدورة المالية لهذه المستشفيات.

هذه المبادرة تطرح حلولاً على المدى البعيد عوضاً عن حلول آنية وفق الساحلي الذي تحدث عن محاولات لنشر الفكرة بين المغتربين الذين أبدى بعضهم حماساً خصوصاً وأنهم يفضلون الإستثمار على الإقراض لإنتفاء الثقة في إمكانية إستعادة الأموال في المستقبل.

يرى الساحلي أن قطاعات الصحة، الزراعة، والتربية هي قطاعات أساسية ولايجب اهمالها أو دفعها إلى الوقوع لأن انهيارها هو حتماً نهاية للجميع، وبالتالي كان لابد من البدء من مكان ما وحث المقتدرين على الإستثمار والمساعدة بما يضمن لهم نجاح استثمارهم.

بنظر الساحلي الخلل الرئيسي يكمن في غياب السياسات الصحية والرؤى المستقبلية، فغياب السياسات إنعكس في عدم تعيين للمدير العام لوزارة الصحة، وفي الإبقاء على مديريات لا يتم استخدامها (كمديرية المختبر المركزي والتي لو تم استغلالها بشكل صحيح لكانت وفرت على لبنان الكثير في ظل جائحة كورونا) كما كان بإمكان السياسات تنظيم هجرة العاملين في القطاع الصحي إلى الخارج عبر تنظيم التخصصات في المرحلة الجامعية لتفادي التخمة في اختصاصات معينة، القيام بإحصاء شامل لما تملكه المستشفيات للتمكن من معرفة حاجات هذه المؤسسات الطبية قبل تصديرالأطباء للخارج.

وفي هذه النقطة إعتبر الساحلي أنه يتوجب على الدولة أن تقدم بعض الامتيازات للأطباء لكي تتمكن من تمكينهم في وطنهم عبر إعادة جدولة دينهم أو خفض فاتورة استشفائهم من ناحية، ومن ناحية أخرى رفع كلفة إشتراك النقابة أو الزامهم بسداد ما قيمته معاش شهري واحد إلى السفارة اللبنانية في البلد العاملين به كأساليب تدفع بالطبيب للتفكير ملياً بالأمر قبل إتخاذ قرار الهجرة.

أما فيمايتعلق بالرد الصدر عن نقيب المستشفيات الخاصة سليمان هارون والذي إعتبر أن «قليلي العقل» هم من يستثمر في قطاع مفلس كالقطاع الصحي، رأى الساحلي أن رد هارون كان سريعاً جداً بما معناه أنه قد لا يكون على إطلاع على مضمون المبادرة بشكل مفصل وبالتالي لا يمكنه الحكم عليها بهذا الكلام.

وعن سبب الهجوم على المبادرة، يتساءل الساحلي عن إمكانية وجود اجندات خاصة لدى السيد هارون خصوصاً وأنه منذ العام 2003 يرأس النقابة واليوم هو غير قادر على تقديم حلول شافية أو حتى تبني حلول مطروحة.

شك الساحلي يعود إلى كون الإستثمار يتطلب تدقيق وهذا التدقيق قد يسبب للمستشفيات الخاصة بالعديد من المشاكل فيما خص الفواتير الطبية الضخمة المقدمة إلى وزارة الصحة على مدى السنوات الماضية وقد تكون سبب أساسي للخوف من هكذا مبادرة وبالتالي رفضها!

فهل ننجح في كسر أسلوب العمل النمطي السائد في القطاع الصحي وننجح في فتح الباب أمام استثمارات اللبنانيين كحل وطني شامل للازمة الصحية التي تطال كافة الفئات الإجتماعية؟