فاتت اللواء جميل السيد حلقة جوهرية في السيناريو الذي طرحه لانقاذ ما تبقى من الجمهورية، ومن رئيس الجمهورية. ابدال الشعب اللبناني، وقد وصفه المطران جورج خضر بـ «واقع ركام لا واقع جماعة»، بشعب آخر من أجل اعادة تكوين بنيوي للسلطة، وحتى للدولة...

هل يمكن أن يتصور، وهو المحنك الذي لم يكن، يوماً، شعبياً أو شعبوياً، أن الحل في صناديق الاقتراع، وقد دأبت الطبقة السياسية، وحتى ما قبل الطائف، على تحويلها الى قبور للديمقراطية اذا ما استعرضنا قوانين الانتخاب منذ عهد الرئيس بشارة الخوري وحتى عهد الرئيس ميشال عون؟

السلطة تعيد انتاج نفسها، وحيث الأكثرية في الكتلة الناخبة اما معلبة أو جاهزة، في ظل الأهوال المعيشية، للدخول في ثقافة البازار لا في ثقافة التغيير.

حتماً، مقاعد التيار الوطني الحر ستتناقص، لتزداد مقاعد «القوات اللبنانية»، الأكثر براعة في الاثارة السياسية والاثارة الطائفية، دون الحاجة الى أي برنامج مستقبلي. يكفي أنها خرجت من الخندق أو من الصومعة أو من...الزنزانة!

مصادر بيت الوسط تنقل عن الرئيس فؤاد السنيورة (حتى أنت يا بروتوس!) أن الحل في انتخاب سمير جعجع رئيساً للجمهورية. هذه هي العملية المثالية لانقاذ لبنان (كرهينة ايرانية) واعادته الى المنظومة العربية، واعادة المنظومة العربية اليه.

لو أوتي فريق 8 أذار بعض الفطنة لحمل جعجع على الأكتاف الى قصر بعبدا، حيث الاقامة في الزنزانة تحت الأرض، والتي امضى فيها 11 عاماً، أقل هولاً من الاقامة هناك، وبصلاحيات تجعل من الجلوس على الكرسي الرئاسي الجلوس على الكرسي الكهربائي.

الا يتصور اللواء السيد أن فريقه السياسي وقع في المصيدة حين اختار سعد الحريري، الخائف ليس فقط من تشكيل الحكومة، بل، وأيضاً، من الانتخابات النيابية لأنها ستفضي الى نقل الارث السياسي منه الى شقيقه بهاء الذي تردد أنه لحظ مبلغ مليار دولار، وبنصيحة من أحمد فتفت، عبقري هذا الزمان، للدخول على حصان أبيض الى السراي التي رمّمها أبوه لتكون مقر الصدر الأعظم.

لا تغييرفي لبنان لا من الداخل، ولا من الخارج. كم لعب ياسر عرفات على ظهور الساسة عندنا لينتهي على سفينة حملته الى قرطاجة؟ وهل استطاعت دبابات آرييل شارون أن تغيّر وجهاً واحداً من الوجوه (الأبدية) اياها؟ وحتى مهما بلغت سطوة غازي كنعان، وبداوة رستم غزالي، بقي لبنان العثماني لبنان العثماني.

الانتقال الذي حصل من الجمهورية الأولى الى الجمهورية الثانية، وهو تغيير في الصلاحيات، وفي الطرابيش، لا تغيير في الرؤوس، ولا في الرؤية، جاء نتيجة ديناميكية دولية في اتجاه ابرام سلسلة من التسويات بين العرب واسرائيل. في هذا السياق، أتي بالرئيس رفيق الحريري الذي كان يفترض أن يغادر الرئاسة الثالثة فور اغتيال اسحق رابين في «ميدان الملوك» برصاص ييغال عمير (4 تشرين الثاني 1995).

حتى اشعار آخر. التآكل الدراماتيكي في أرجاء الدولة. ذروة الهلهلة حين رأينا كيف أن بعض الساسة راهنوا على دور للجامعة العربية، وحيث تتجلى كل مظاهر القرون الوسطى، في تدويل لبنان، لكأن المنطقة كلها، وليس لبنان وحده، لا تعاني من التدويل، وحيث لعبة الأمم تعبث بالخرائط، وبالدول، وبالأنظمة، مثلما تعبث بكومة من الرمال!

ألم يبلغ اليأس بأحد الأساقفة حد القول، في أروقة بكركي، أن انقاذ الطائفة، كمدخل الى انقاذ لبنان، بنقل رئاسة الجمهورية الى طائفة مسيحية أخرى، كي يعود الموارنة، وهم الأساس، في قيام الدولة، الى ألقهم، والى دورهم، وبالدرجة الأولى الى وعيهم؟

اذا سألتم مسؤول الاعلام في أحد الأحزاب، وهو بمواصفات مصارع الثيران، حول كيفية الخروج من طريق الجلجلة، يأتي الجواب، في الحال. سمير جعجع للقصر الجمهوري وبهاء الحريري للسراي الحكومية!