يمّوت: كسل القضاة وتدخلات سياسية تحول دون تسريع المحاكمات

إن واقع السجون في لبنان امر لا يمكن الإحاطة به في مقالين أو ثلاث أو حتى مجموعة من المقالات، هو ملف كبير يتضمن العدد من الجوانب تبدأ من الطاقة الاستيعابية للسجون، حقوق المساجين، عمليات السوق، المحاكمات، التمردات، الثغرات الأمنية، وغيرها الكثير من القضايا المرتبطة بشكل مباشر بهذا الملف. بمعزل عن هذه النقاط، قررنا التوقف عند موضوع قاعةالمحاكمة المتواجدة داخل سجن روميه وما إذا كانت ذات فعالية أو كان بالإمكان إستثمار اموالها بشكل أخر.

وفق المعلومات المتوفرة، فإن سجن رومية كان يضم في الستينات محكمة تجري فيها معظم المحاكمات، وبتاريخ ١٥-١٠-٢٠١٢ تم افتتاح قاعة المحاكمة داخل السجن برعاية معالي وزير الداخلية وحضور معالي وزير العدل، حيث صرح معالي وزير الداخلية مروان شربل في كلمته: «هذه القاعة سوف تسرّع «الاجراءات القضائية لكل الموقوفين الإسلاميين» وأشار في هذا الاطار الى أنهذه المحكمة أنلم تنشأ فقط لمحاكمة الاسلاميين وإنما عندما نطورها سنشهد بفضلها عددا كبيرا من إخلاءات السبيل» موضحا أنهذه المحكمة «تخفف كثيرا من الانزعاج وتعريض السجناء للخطر وستسرّع في المحاكمات».

وفي حديث لاحق للوزير شربل عام ٢٠١٩ صرح قائلاً: «أنشأنا، في عهدي، محكمة في سجن رومية بمواصفات دولية، كلفت مليونين ونصف مليون دولار أميركي، ما زالت حتى اليوم مقفلة، اكلها الغبار، ولسوء الحظ لم تستخدم».

في ١١ حزيران ٢٠٢٠ أعلنت «لجنة الرعاية الصحية في السجون»، في بيان اليوم(امس)، ان جهودها أثمرت، «وأول الغيث كان صباح امس حيث عادت جلسات المحاكمة تعقد في قاعة المحكمة المنشأة في سجن رومية بعد ١٣ سنة من توقفها».

للغاية كان لا بد من التواصل مع أحد أكثر المطّلعين على أحوال سجن روميه، الآنسة مايا يموت نائبة رئيسة جمعية منع الجريمة والاختصاصية في علم النفس الإجتماعي التي ترى أن المحكمة لم تنجز مهمتها الأساسية المتمثلة بتسريع المحاكمات، فهي في بداية تأسيسها قامت بالبت بقضية إرهاب واحدة للمدعو جمال دفتردار وتوقفت عند ذلك. بين عامي ٢٠١٨و٢٠١٩ حصل ضغط إعلامي كبير لتحريك ملف المحكمة داخل السجن وبالتالي تم إعادة تفعيلها بعد ذلك بشكل خجول، خصوصاً وأن معظم المحامين لا يحبذوا الحضور إلى هذه المحكمة تحديداً بسبب أساليب التفتيش التي يتعرضوا لها والتي تمس بكرامتهم وفق البعض. وفي سياق متصل، تعتبر يموت أن القضاة لا يصدرون أحكام كافية خلال العام وهناك الكثير من التأجيل للمحاكمات ألأمر الذي يتعارض مع المبدأ الذي انشئت من أجله هذه المحكمة أساساً.

تختصر يموت المشكلة في كسل وتعجرف بعض القضاة بعدم الحضور إلى محكمة روميه، بالإضافة إلى ضغوط سياسية رهيبة تمارس في ملف موقوفي طرابلس ألاسلاميين والإصرار على محاكمتهم أمام المحكمة العسكرية المعروفة عوضاً عن إنشاء محكمة خاصة بقضايا ألإرهاب، دائماً وفق يموت.

تعتبر يموت ان المحكمة توفر على خزينة الدولة الكثير من الأموال في حال تم تفعيلها بالشكل اللازم (ككلفة نقل السجناء وإستهلاك آليات قوة الأمن الداخلي) كما أنها تحفظ كرامة السجين خلال نقله وتحد من خطر الفرار أو الكمائن خلال عمليات النقل هذه.

ولكن رغم ذلك ترى أنه كان من الأجدى أن تذهب هذه الأموال إلى إنشاء مراكز تأهيل عوضاً عن الإبقاء على مفهوم السجن كعقاب فقط. فالسجين يجب أن يملك مهنة كي يضمن مستقبله بعد إنتهاء حكمه وكي لا يشكل عبئا اضافيا على الدولة أو يعود إلى إرتكاب الأخطاء بعد إنتهاء محكوميته.

ختاماً ترى يموت أن ألأسلوب المتبع مع الموقوفين وعدم تسريع المحاكمات بشكل عام وعدم قيام القضاة بمهامهم بشكل تام يؤدي بالنتيجة إلى إزدياد معدل الجرائم كون السجون باتت تصدر مجموعة من الناقمين على مجتمعهم وواقعهم عوضاً عن أشخاص تلقوا عقابهم ومروا بمراحل تأهيل تمكنهم من ألإندماج بشكل سلس مع مجتمعهم.

مشروع آخر يمكن إعتباره هدر آخر للمال العام، محكمة تأسست لتسريع المحاكمات وبقيت خارج الخدمة مدة ١٣ عاماً! فعن أي إصلاح نتحدث؟ ولماذا نتوجه باللوم لمن يطالب بالعفو العام اليوم؟ دولة غائبة عن ذاتها وعمودها الفقري يتأكله الفساد. ألإنفجار ألإجتماعي آت لا محال مترافق مع فوضى غير خلاقة ومتسمة بالأذى!