حتى لو اجتمع أهل الأرض من أجل معالجة ملف لبنان الحكومي، لن يتغيّر شيء، كل واحد يرمي الكرة في ملعب الآخر، وتأليف الحكومة لا زال يشترك فيه الداخل والخارج، الداخل المنقسم الى قسمين، قسمٌ تديره  الإدارة الأميركية، وقسم آخر يميل الى إيران، والخارج الذي تشترك فيه أطرافٌ أربعة، أميركا، فرنسا، إيران والسعودية.

أما السؤال الذي يشغلُ بال الجميع فهو، هل ستولد الحكومة خلال أيام ؟ 

أم أنها ستبقى عالقة بين تجاذبات الخارج والداخل !!!

ماذا لو توسعت مساحات التفاعل الإيجابي رغم السجالات والمناورات السياسية ؟ 

كل هذا الكلام الذي ملَّ اللبنانيون وأصيبوا بالصرع منه عقب التبدلات السياسية التي باتت غير مألوفة وغير مطمئنة، لن تجدي نفعاً . وما الأحاديث المتداولة والنقاشات المستمرة إلا كلام غير مهم وفلسفة لا تدخل إلا في قاموس الجدل البيزنطي، الذي لا ينفع اللبنانيين بعد أن دخل الفقر والجوع والعوز بيوتهم.

وفي خضم هذه الأجواء المتوترة، لا يزال الرئيسان عون والحريري يتبادلان الإتهامات بتعطيل تشكيل الحكومة، مما يزيد من فرصة إدخال البلد في نفق التعطيل والمراوغة دون أي تقدم.

وفيما يسعى الرئيس بري جاهدًا لتذليل العقبات، يذهب البعض الى تطوير الصراع والعمل على التفرقة والتعطيل دون أن يدرك البعض بأن البلاد لم تعد تحتملُ صراعات الأخوة داخل وطن ينزف وينهار أمام أعين أهل النظر ودون أي بصيرة.

حتى الساعة لم تلق المبادرة التي قدمها بري أي صدى بشأن تأليف الحكومة، وهذا لا يعني إبقاء التفاصيل طي الكتمان، وأن الرئيس يعجز عن طرح قواعد وركائز واضحة تقدم أمام الرأي العام.

وفي معلومات خاصة، فإن بري يريد فرض تسوية إنقاذية مرنة بهدوء، بعيداً عن صخب المناورات السياسية التي تدور عادة في البلد لتحسين الشروط الحكومية، مما يعني أنه يؤمن أرضية خصبة تتيح تأليف الحكومة الجديدة، على قاعدة ينتجها عادة «حاكم المجلس» في طرحه التسويات الوطنية على قاعدة : لا غالب ولا مغلوب. ويضيف المصدر: أن هذه المبادرة تسلم مساراً جدياً فاعلاً ومنتجاً على الأقل لم يرصد هذه المرة وجود سهام سياسية من أي إتجاه تطال مساعي بري، لا بل إنَّ المصادر المطلعة تؤكد وجود أجواء إيجابية يبنى عليها هذه المرة، لم تشهدها مراحل التأليف قبل ذلك منذ تكليف سعد الحريري بتأليف الحكومة.

العواصم الإقليمية والدولية تواكب مجريات مبادرة الرئيس بري، وتنظر بعين الرضا والتأييد لطرح يؤدي الى إخراج لبنان من مأزقه.

على مقلب آخر، لا تزال الدول تقدم طروحاتها من أجل استثمار مرفأ بيروت بعد الكارثة التي حلت به في آب الماضي عقب الإنفجار الذي هزَّ لبنان والعالم، وآخرها ألمانيا التي قدمت اقتراحها من أجل بناء المرفأ واستثماره، ويسعى الأوروبيون و روسيا للإستثمار في حقول الغاز والنفط الموعودة في بلوكات لبنان البحرية، بينما ترصد أميركا تفاصيل الساحة اللبنانية التي لا تريد خسارتها.

الكل اليوم ينتظر ولادة الحكومة العتيدة لبدء الإستثمارات في لبنان ورفع إقتصاده المنهار والذي تهاوى الى ما دون الصفر.

في غضون ذلك، ناشد البطريرك الراعي جميع المسؤولين السياسيين في رسالة الفصح بأن يكفوا عن السلوك المهين والمهيمن والأناني والسلطوي . وقد علم من مصدر مطلع أن الوزير الذي سيسميه البطريرك الراعي هو وزير الداخلية بموافقة الرئيسين عون والحريري، وذلك كحلٍ وسط لتمسك رئيس الجمهورية بحقيبة الداخلية وتمسك الحريري بتسمية الوزير بالإتفاق مع عون، أي أن لا يكون محسوباً على رئيس الجمهورية.

فهل سينجح القيمون بكسر الجليد السياسي لتشكيل الحكومة بأسرع وقت من أجل النهوض وإنقاذ الوطن ؟

دولياً، تصرُّ واشنطن على محاصرة لبنان عبر فرضها عقوبات ولعب سياسة الضغط عليه، حتى الوصول الى نقطة الصفر مع إيران سواء كان عبر المفاوضات أو الصدام معها  والإنتقال الى مرحلة جديدة من المتغيرات والتي ستكون هذه المرة مغايرة . واشنطن لن تألو جهداً في زيادة الضغط وممارسة المزيد من شد الخناق من أجل أن لا يشترك الحزب في تشكيل الحكومة، التي تصر السعودية و واشنطن على أخذ حصةٍ فيها، رغم كل شيء. 

وفي غمرة هذه الأجواء الداخلية والخارجية يقفُ المواطن مكتوف اليدين أمام ما يجري، دون أي مراعاةٍ لهمومه المتعاظمة . مشاهد  الأشهر السابقة رسخت فكرة اللبناني بأن لا أهمية للمواطن، لكن المهم هي تحصيل كل ما تريد هذه القوى السياسية وعلى الدنيا السلام ...