«هيلا يا واسع، مركبك راجع»... وبأيّ حالٍ عُدت يا مركب؟

عاد المركب مكسور الخاطر، يقوده صيّاد سكن البحر، عشقه، عاش فيه ومنه...

قطاع الصيد البحري في لبنان اليوم، حاله كحال القطاعات كافة، ومن الّذي كان يعتقد بأنّ البحر يتأثّر هو أيضاً بسعر صرف الدولار...؟

البداية مع الصيادين الذين وبالرّغم من كافة المشاكل والعراقيل التي تواجههم ما زالوا يؤمِنون بالبحر ويعتبرونه مرجعهم الوحيد.

 توفيق عسّال صيّاد البترون العتيق! 

تَعكِس أعمدة إضاءة ميناء البترون لمعة الدمعة التي تُعبّر عن الحسرة في عينيّ توفيق عسّال، هو ذلك الفتى الّذي وُلِد في البحر،عاش به ومعه فأصبح شريك الروح. متحسّراً على واقع الصيد المرير الّذي يمُرّ به هذا القطاع، ويشرح عسّال للديار بغصّة: « الفرق شاسع بين الأمس واليوم. أمس تربَيت وكبرت وبنيت منزلا وأسّست عائلة وعلّمت أولادي في أفخم المدارس والجامعات وكلّه بفضل البحر... أمّا اليوم منُكافِح جاهدين لنحصل على أدنى مستويات العيش».

«الشغل بالبحر بدّو مفهومية»، بهذه العبارة فتح عسّال الباب على مصراعيه في ما يخصّ الاستهتار الحاصل في هذا المجال فيقول: «نرى اليوم أنّ كلّ من هوى البحر بات يعتبر نفسه صيّاداً ويقوم بصيد الأسماك بطريقة عشوائية وخاطئة، فالمسؤولية تقع اليوم على الدولة أولاً من ناحية التراخي في تطبيق القانون ومن ناحية أخرى في إعطاء تذاكر بحرية لأشخاص لا يتمتعون بالصفات المؤهلة لحمل التذاكر».

وفي لمحة سريعة بين الماضي والحاضر يتنهّد عسّال وهو يُخبر قصّة البترون العريقة مع البحر فيقول: «علاقة البترون مع البحر عريقة وقديمة ككافة المناطق الساحلية في لبنان، فجدران كاتدرائية مار اسطفان التاريخية تشهد على العصر الذهبيّ مع الإسفنج الذّي كان من اثمن الثروات الموجودة في بحرنا وسجّل لبنان أرقاماً عالية من ناحية تصدير الإسفنج حينها، أيام نعود بها الى عصر المتصرفية... أين هي اليوم؟ انقرضت لأسباب عدّة أهمها التلوث الذي قضى عليها كليّاً منذ العام 1985 مع بدء بدعة البواخر».

ويُضيف: «في عهدتي اثنتان من اسفنج البحر كُنت قد عثرت عليهما في مغارة بحرية في سلعاتا – البترون، أكّدت الدراسات أنّ عمرهما يتجاوز المليوني سنة... فهذه هي ثروة لبنان الحقيقية التي أصبحت اليوم مُهمّشة عمداً...!»

 صرخة النقابات تُدوّي من جديد... السمك البلدي أغلى من المستورد وجمود في تصريف الإنتاج 

في اتصال مع الديار أكّد نقيب الصيادين في بيروت وضواحيها وممثل تعاونيات الصيادين في لبنان بالإتحاد الوطني العام للتعاونيات جان شوّاح أنّ قطاع الصيد البحري في حالة غثيان حالياً خاصّة مع تأثّر حال الصيادين بارتفاع سعر صرف الدولارالذّي أدّى الى ارتفاع اسعار معدات الصيد بدون استثناء فالتجار يشترون ويبيعون بحسب سعر الصرف اليومي».

وفي تفصيل المشاكل التي يعاني منها هذا القطاع يقول شواح: «المشاكل كثيرة ومتراكمة، فلا تقتصر فقط على الظرف الاقتصادي الّذي تمرّ به البلاد فنحن اليوم ننتظر الدعم والمساعدات من المؤسسات والمنظمات الدولية بعد أن قمنا بإرسال طلبات مساعدة لهم.

يضيف : «كنّا نتمنّى لو كان بإمكاننا التعكّز على الدولة إلا أنّها اليوم عاجزة، ليس فقط اقتصاديا، إنمّا نعاني من تلكؤ في تطبيق ومتابعة الأمور البديهية منذ سنين، ويشرح الواقع كالآتي:

-اقتصادياً: سعر السمك البلدي اليوم أغلى من سعر المستورد فذلك مرتبط بارتفاع سعر صرف الدولار وشراء الصيّاد للمعدّات وحاجيات بسعر مرتفع الأمر الذّي جعل كلفة الأستيراد أرخص من كلفة صيد السمك محليّاً... إلا أننا قد تقدّمنا من وزارة الزراعة بطلب دعم سعر الدولار للصيّادين من خلال التعاونيات التي باستطاعتها المساهة بالدعم المادي بشكل محدود إنمّا يساعد في طريقة ما الصيّاد على شراء المعدّات بسعر أرخص ممّا يرفع نسبة الانتاج الوطني، الا أنّ هذا الطلب قوبل بالرفضّ!»

-اجتماعيّاً: نحثّ الدولة على التسريع في اقرار قانون الصيد الجديد الذي ينشل القطاع البحري برُمّته فهو يضمن للصيّاد الضمان الاجتماعي الذي نطالب به أسوة بالسائقين العموميين، كما يُنظّم قواعد الصيد وأوضاع الصيادين. فمن المخزي أن نكون لا زلنا خاضعين لقانون صيد قد أقرّ عام 1929...!»

 دور وزارة الزراعة: حروف على ورق أم مجهود ملموس؟ 

بناء على كلّ ما تقدم، كان لا بُدّ للديار من متابعة حيثيات الموضوع مع وزارة الزراعة كونها الجهة الرسمية الوحيدة المولجة حماية هذا القطاع وتطويره.

ففي حديث مع المهندس عماد لحود رئيس دائرة الصيد المائي والبري، أكّد أن وزارة الزراعة ليست الجهة المسؤولة عن قبول أيّة طلبات دعم مادية، فالموضوع مرتبط بوزارة المالية والحكومة إلاأنّ وزارة الزراعة تعمل بجهد لإنقاذ هذا القطاع وقد تقدّمت بطلب من الجهات المعنية لإدراج الصيادين على لائحة المساعدات الاجتماعية.

أمّا في ما يخصّ قانون الصيد الجديد قال: «بحسب الاجراءات الروتينية عامة يتمّ توزيع مشاريع القوانين على الوزارات ومن ثمّ الى اللّجان النيابية لرفعها وإقرارها، الاانّ الحالة غير المستقرة حكومياً في البلد تدفع بنا الى اعادة توزيع قانون الصيد البحري الذي حُضّر بالتعاون مع خبراء دوليين ومحليين وهو قانون إطاري يُعنى بتنظيم كامل القطاع وتطويره بما يشمله من صيد بحري وصيد نهري وتربية أحياء مالية ويتضّمن احدى عشر بابا اهمّها تدريب وأرشاد واخضاع الصيّاد لامتحانات تخوّله الحصول على رخصة مزاولة الصيد،نُعيد توزيعه على الوزارات في كلّ مرّة تتشكّل حكومة جديدة. حالياً قانون الصيد تمّ رفعه مباشرة الى رئيس مجلس النواب منذ ثلاثة أسابيع فحوّله الى اللّجان النيابية التي تدرسه ليُصار الى اقراره».

وعن تطبيق القانون القديم رقم 2575 الصادر عام 1929 يُوضّح لحود أنّه وبالرغم من اعتماد هذا القانون إلا أنّ وزارة الزراعة تُصدر بشكل مستمرّ قرارات تنظيمية تُعتبر نافذة ومُطبّقة.

أمّا بالنسبة للجهات المولجة متابعة ومراقبة تطبيق القانون وقراراته، فيقول لحود: «وزارة الداخلية –مفرزة الشواطىء في قوى الأمن الداخلي، وزارة الدفاع ومراكز الجيش البحرية كما البلديات وحرّاس الأحراج والصيد التابعين لوزارة الزراعة، هذه الأطراف مجتمعة ومتعاونة هي المسؤولة بالإجمال عن مراقبة تطبيق القانون رسمياً، إلا أننا نتّكل اليوم على الوعي المجتمعي حيث تقوم وزارة الزراعة منذ أيلول 2019 على عقد اجتماعات ارشادية ونقاشية مع الصيادين حيث أنّ كلّ انسان مسؤول».

لبنان، تلك الأرض الخصبة المليئة بالمشاكل والعراقيل، فهل ستقذف معها يوماّ موجة شاطىء بريق أمل تغمِر به الأرض لنطوف على جبهة الأمان والاستقرار والعيش بكرامة تحت سلطة قوانين مدروسة تحفظ كرامة المواطن وتصونه؟