استقدام خبراء دوليين يهدف الى تدعيم موقف لبنان في حفظ حقّه كاملاً في الـ 2290 كلم2

هل أصبح موضوع تعديل مرسوم 6433 ترسيم الحدود البحرية «معلّقاً»الى أجلٍ غير مسمّى بعد أن طلب لبنان، في ظلّ وجود مساعد وزير الخارجية الأميركية السفير ديفيد هيل في بيروت، مساعدته على استقدام خبراء دوليين لترسيم الخط الحدودي؟ وما الهدف من هذا الموقف الأخير الذي اتخذه لبنان بعد أن توقّفت أو عُلّقت المفاوضات غير المباشرة بينه وبين العدو الإسرائيلي في 11 تشرين الثاني الماضي، وكانت بدأت في 14 تشرين الأول الفائت تبعاً لاتفاق الإطار الذي جرى التوافق عليه مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي على مدى عشر سنوات؟

مصادر سياسية مطّلعة أكّدت أنّه لا يزال رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب مدعوّاً لعقد جلسة إستثنائية لتعديل المرسوم 6433، وإن طلب لبنان استقدام خبراء دوليين لترسيم الخط. فهذا الطلب قد يهدف الى تدعيم موقفه لجهة توسيعه منطقة النزاع من 860 كلم2 الى مساحة إضافية هي الـ 1430 كلم2 من حقوقه النفطية والغازية في حدوده البحرية من قبل الجيش اللبناني، الذي هو مؤسسة وطنية موثوقة، وقد وضعت إحداثياتها الجديدة وفق دراسات وخرائط وتقارير عدّة. ولأنّ هناك في القانون ما يُسمّى «مبدأ موازاة الأشكال والصيغ»، أي أنّه لدى اتخاذ مرسوم يتمّ تعديله بمرسوم، ولدى إقرار قانون ما، يتمّ تعديله بقانون. لهذا، فإنّ المرسوم 6433 اتخذ في مجلس الوزراء في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وليس بمرسوم عادي، وليس بقرار، ولهذا فإذا شئنا تعديل هذا المرسوم لا بدّ من أن يحصل ذلك بمرسوم في مجلس الوزراء.

وعن التذرّع بأنّ حكومة دياب هي حكومة تصريف أعمال، ولا يمكنها العمل إلاّ في النطاق الضيّق، أشارت المصادر الى أنّه ليس في الدستور ما يمنع إطلاقاً مجلس الوزراء من الإجتماع ولو في ظلّ حكومة تصريف الأعمال، إستثنائياً وببند وحيد على جدول أعماله، وليس بصورة دورية أو أسبوعية لإجراء التعيينات أو اتخاذ أي قرارات أخرى، بل لإقرار أمور لها علاقة بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال وليس لتفعيل الحكومة... ويدخل ضمن مفهومها، بحسب الإجتهادات، كلّ ما هو ملحّ ويرتبط بمهل، ويوقف إلحاق الضرر بالشأن العام وليس العكس. صحيح بأنّه ليس من مهل هنا في المعنى الضيّق، ولكن لا يُمكن إغفال المهل على الأرض في ظلّ بدء العدو الإسرائيلي بعمليات الحفر والتنقيب في حقل «كاريش» والمنطقة المحاذية له والتي تقع ضمن منطقة النزاع، ولبنان يقف متفرّجاً عليه. علماً بأنّ حكومة ميقاتي المستقيلة اجتمعت في العام 2013، والتي كان دياب وزيراً للتربية فيها، وأقرّت هيئة الإشراف على الإنتخابات رئيساً وأعضاء ولم يتمّ تفعيل عملها بعد ذلك. وكان عليها الإجتماع بسبب وجود المهل. فهل تعديل مرسوم ترسيم الحدود هو أقلّ أهمية من تعيين رئيس وأعضاء هذه الهيئة، فيما يتعلّق بالضروريات وبحفظ حقوق الشأن العام؟!

ولفتت المصادر نفسها أنّه من واجب حكومة دياب إبقاء جلساتها مفتوحة، وإن كانت مستقيلة، لم تفعل إقرار مشروع الموازنة، ولكن عليها أن تفعل لإقرار مراسيم ضرورية مثل تعديل المرسوم 6433، لأنّ الموضوع خطير ومهم جدّاً للبنان، وهو سياسي ووطني بامتياز. أمّا الموافقة الإستثنائية فصحيح بأنّها حصلت فيما يتعلّق بـ 220 مرسوماً حتى الآن، بهدف تسهيل أمور الناس، ولكن هذه الموافقة لا يُمكنها أن تحلّ مكان مجلس الوزراء كمؤسسة دستورية. وصحيح بأنّ لبنان يقوم بتعديل هذا المرسوم لإبلاغ الأمم المتحدة على سبيل أخذ العِلم بإحداثياته الجديدة، لكنها تبقى إجراءات جوهرية. قد يكون هناك إشكالية حولها لهذا تحتاج الى الكثير من التنبّه والتدقيق، ولهذا فإذا أراد المسؤولين تحمّل مسؤوليات وطنيّة عليهم الذهاب الى مجلس الوزراء وعقد جلسة إستثنائية ببند وحيد لحلّ هذه المسألة.

في الوقت نفسه، تجد أوساط ديبلوماسية مواكبة لموضوع ترسيم الحدود بأنّ هيل سوف ينقل موقف لبنان عن استقدام خبراء دوليين لترسيم الخط الحدودي الى العدو الإسرائيلي وسيرى ما ستكون عليه ردّة فعل هذا الأخير. وأوضحت المصادر أنّ وجود الخبراء الدوليين، توازياً مع استئناف المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود لا يجب أن يُفسّر على أنّه «تراجع» من قبل لبنان عن المطالبة بحقّه في كامل المساحة التي طالب بحفظ حقّه فيها أي الـ 2290 كلم2، بل هي خطوة لضمان حقّه كاملاً فيها، على ما تؤكّده دراسات عدّة عن حدود المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة للبنان.

ولكن تخشى هذه الأوساط أن يقوم الخبراء الدوليين، خلافاً لما يهدف إليه لبنان، بإعطاء «حقوق مفترضة» للعدو الإسرائيلي في منطقة النزاع الموسّعة، أي أن يكونوا منحازين له، على غرار ما فعل «خط هوف» الذي قسم المثلث البحري المتنازع عليه، في إطار «الحلّ الوسط»، وإن كان لم يقسمه مناصفة بل أعطى لبنان فيه الحصّة الأكبر، رغم علمه بأنّه من حقّ لبنان بالكامل. فلإثارة تجنّب الجدل حول الطرف الذي يمتلك الصخور عند قاعدة منحدر رأس الناقورة (روش ها-نيكرا أو صخرة تخليت)، وهي منطقة لم تُمسح مُطلقاً لأغراض ترسيم الحدود أو خط الهدنة أو الخط الأزرق، قد بدأ زميله الخبير الأميركي رايموند ميليفسكي، على ما روى هوف، برسم خطّه على بُعد 3 أميال (أو 4.82803 كيلومترات) من الشاطىء.وامتدّ هذا الخطّ بين الخطوط اللبنانية والإسرائيلية التي تأرجحت بالطبع جنوباً وشمالاً على التوالي. وتقاطع هذا الخط مع الخطّ القبرصي بنسبة 60 % نزولاً من التقاطع القبرصي- «الإسرائيلي»، وصولاً الى التقاطع اللبناني- القبرصي، تاركاً بذلك نسبة تزيد عن 55 % بقليل للجانب اللبناني. وأثنى هوف على هذا الخط الذي رُسم وفقاً لمبدأ 55 % و45 %، وتبنّاه ووصفه بأنّه «أكثر جاذبية» من خط يقسم المنطقة بالتساوي. وكأنّ الحقوق لها علاقة بالشكل والجاذبية. وإذ قدّمت واشنطن مقترحها يومها للجانب الإسرائيلي قال هذا الأخير «لسنا معتادين على تسوية نحصل بموجبها على نسبة 45 % من أي شيء». رغم ذلك أبلغ أنّه مستعدّ لقبول خط التسوية شرط موافقة لبنان، غير أنّ لبنان رفض هذا الخط كونه يُقدّم «هدية» للعدو الإسرائيلي.

وتقول الأوساط ذاتها، أنّه منذ الآن لا يُمكن الجزم بما ستؤول اليه مسألة ترسيم الحدود، غير أنّ ما هو مؤكّد هو أنّ العدو الإسرائيلي يودّ استئناف المفاوضات غير المباشرة مع لبنان ليُطمئن شركة «إنرجين» اليونانية التي يُفترض ان تبدأ أعمالها في حقل «كاريش» في أوائل حزيران المقبل. فهذه الشركة وسواها لن تتحمّس للمجيء والعمل في منطقة نزاع، على ما تعلم، وتحتاج الى منطقة أمنية خالية من النزاعات لكي تشعر بالإطمئنان. فالعدو مستعجل أكثر من لبنان، ولكن هذا لا يعني أن يضيّع لبنان المزيد من الوقت للتصرّف، ويتوقّف عن إبلاغ الأمم المتحدة بإحداثياته الجديدةعلى أنّها موقف آحادي الجانب، وبحجّة انتظار رأي الخبراء الدوليين الذي لا أحد يضمن أنّه سيتوافق مع موقفه.